أكتوبر ما زال ملهمًا رغم مرور 47 عاما

البطل القناص "محمد الطيب" يضرب المثل فى الوحدة الوطنية بين أبناء الشعب المصرى

تحتفل جمهورية مصر العربية، فى هذه الأيام، بالذكرى الـ ٤٧ لانتصارات أكتوبر المجيدة، وهو العيد الأغلى للوطن، والكتاب الذي تعاد قراءته كل عام لاستخلاص العبر واستنهاض العزائم لاستنساخ الانتصار الغالي في كل المجالات لتحقيق التنمية الشاملة، تحت قيادة فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى.


 

بوابة " الجمهورية أونلاين " تستعيد مع أبطال أكتوبر ذكريات النصر العظيم، وكان لنا هذا اللقاء مع البطل القناص محمد الطيب ابن مركز دشنا بمحافظة قنا، والذى ضرب المثل في الوحدة الوطنية بين طوائف الشعب المصري، فلا يزال الرجل رغم مرور ٤٧ عاما على حرب أكتوبر، يبحث عن أصدقاء الكفاح يستعيد معهم أجمل الذكريات التى أصبحت تاريخا مشرفا لكافة الأجيال.

 

في واحدة من القصص الجميلة، في لحظات هي الأروع سماعا والأرقى حدوثا، والأشد انتباها، نجد الرقيب مجند " محمد الطيب " يبحث عن أصدقاء الكفاح بحرب 1967 ومعارك الاستنزاف والعبور العظيم عام 1973، الرقيب مجند محمد الطيب الذي لبس السترة العسكرية في شهر مارس 1966 وظل في حروب وتدريبات ومعارك وعبور وانكسار وانتصار وعزيمة وجهاد من 1966 حتى 1973.

 

يتذكر الحاج محمد الطيب قسوة الهزيمة ومرارتها في حرب يونيو 1967 وكيف ذاق الذل والإحساس بالخيبة وظل هائما على وجهه أياما طوال في صحراء مصر حتى استطاع العودة إلى الإسماعيلية رافضا التفريط في سلاحه الذي ربته العسكرية المصرية على أن هذا السلاح هو الشرف وهو العرض ومن تنازل عنه فقد تنازل عن شرفه وعرضه، متحملا آلام الجوع والعطش في صحراء مصر الحارة، يصارع المجهول ويحترس من الطيران الإسرائيلي كلما لاح في الأفق.

 

البطل القناص محمد الطيب يتذكر جيدا ممر متلا وكيف أمره القائد أن يشعل النيران في دبابته حتى لا يستفيد منها العدو الإسرائيلي، ظل يتخفى نهارا ويسير ليلا حتى عاد إلى الإسماعيلية وتم إعادة تأهيله هو وزملاءه حتى تعاد إليهم معنوياتهم ويتضح الهدف وتغرس العزيمة من جديد.

 

 بدأ العم محمد الطيب وزملاء الكفاح رحلة استعادة الأرض المغتصبة وعودة التراب المنتهك، وما أكثر المعارك التي خاضها هو وزملاءه في فترة الاستنزاف حتى تحقق النصر المبين والفرحة المنتظرة في السادس من أكتوبر 1973، جاءت اللحظة التي يعبر فيها الجندي المصري عن أصالة معدنه وبسالة قتاله وقوة عزيمته، عبر العم محمد الطيب وزملاءه في مساء السادس من أكتوبر وطهروا أرض سيناء من دنس الاحتلال الصهيوني، وعاشوا الفرح كما عاشوا الترح، عاشوا حرارة النصر كما عاشوا مرارة الهزيمة، سلموا الراية خفاقة حرة للجيل الذي تلاهم، وخرجوا بعد ثمان سنوات من الكفاح والعطاء مرفوعي الرأس شامخي الهامة.

 

 شغلت الحياة العم محمد الطيب كما شغلت زملاءه، ولكن ظلت ذكرى انتصار أكتوبر كل عام تلهب الوجدان وتوقظ الذكريات في جنان البطل محمد الطيب فبدأ يبحث عن أصدقاء الحرب والشدة رفقاء العزيمة والإرادة، تتجلى الوحدة الوطنية في مسيرة العم محمد في البحث عن أصدقاء الحرب، فبعد تجاوزه السبعين من العمر طلب من ابنه أيمن محمد الطيب - معلم اللغة العربية - أن يساعده في البحث عن أصدقائه، وبدأ ابنه رحلة البحث في المحافظات والمراكز والقرى والحارات والدروب، لم يكن يبحث عن أصدقاء والده فقط، لكنه كان يبحث عن بسمة والده وفرحته، فكان من أصدقائه الذين ظل يبحث عنهم لشهور طوال قائد الكتيبة باهر زكي رشدي والعريف عزت شهدي ديسا والعريف بخيت جرجس جاب الله والعريف إبراهيم جرجس إبراهيم.

 

 استطاع الابن البار أن يجد قائد الكتيبة على قيد الحياة بصحة جيدة، وكم كانت حرارة اللقاء لا تقل عن حرارة الرمال الملتهبة في نهار العاشر من رمضان، ولا تقل حرارة عن حرارة الانتصار بعد سماع نبأ وقف إطلاق النار واسترداد سيناء الحبيبة، ولكن لا تأتي الرياح دائما بما تشتهي السفن، فقد توصل الابن أيمن محمد الطيب لأماكن صديقين من الأصدقاء المجندين ولكنهما كانا قد توفاهما الله، ولكن بأصالة الشعب المصري النبيل وبروح ابن الصعيد الذي تربى على صون العيش والملح وتقدير العشرة؛ يصر البطل محمد الطيب على التواصل مع أبناء صديقيه الراحلين ويتعجب أبناء زملائه من هذا الوفاء، فيقرر البعض منهم زيارة البطل محمد الطيب في منزله بقرية أبومناع بحري التابعة لمركز دشنا محافظة قنا، وكانت المفاجأة ابن صديقه هو نسخة من صديقه شكلا وبسمة وروحًا خفيفة، فهذا هو السن الذي ودع الصديقان فيهما بعضهما البعض، وهي الملامح التي ما زال يحتفظ بها لصديقه فهو لم يراه في سنين عمره الأخيرة، فكانت فرحة البطل محمد الطيب بقدوم ابن صديقه فرحة عارمة فقد وجد فيه ملامح الصديق التي تركها وروحه وخفة ظله وتقاسيمه التي اعتادها، يظل البطل محمد الطيب رمزا للمصري الأصيل والجندي الأبي الباسل ونموذجا للعزيمة والإصرار، رغم أنه خلع سترة الجندية العسكرية منذ 47 عاما إلا أنه ما زال يحتفظ بمبادئها وصفاتها الرائعة.

 

ويعود بنا عم محمد الطيب ليحدثنا، عن رحلته مع العسكرية، قائلا أن مود تجنيده كان قبل أن يتم عشرين عامًا وفي الخامس من مارس عام 1966م توجه ومجموعة من شباب قريته -أبومناع بحري بمركز دشنا - إلى منطقة تجنيد أسيوط فلم يكن أيامها هناك منطقة تجنيد بقنا أو سوهاج أو أسوان، وبعد الفرز تم قبوله، ولبس ثياب الخدمة العسكرية بكل فخر واعتزاز باحثا عن شرف خدمة بلاده، فقد كنت يتوق لإرتداء سترة يُشهدُ لحاملها بالرجولة قبل أن يشهد له الشارب المخطوط فوق شفته.

 

وقال : من مدينة أسيوط توجهنا إلى معسكر تجنيد منقباد الذي ظللنا فيه أربعة أيام قبل أن يتم ترحيلي أنا ومجموعة المجندين إلى حلمية الزيتون بالقاهرة، ولم نمكث في حلمية الزيتون سوى ليلة واحدة وجهونا بعدها إلى مركز تدريب أساس المدرعات بالقاهرة ومكثنا في مركز التدريب شهرًا نتدرب على استخدام البندقية الآلية والرشاش الخفيف وجميع الأسلحة الصغيرة، وبعد انتهاء الشهر تم تحويلي إلى كتيبة المشاة الميكانيكي باللواء 11 مدرع بمنطقة كسفريت بالإسماعيلية، وبقيت هناك سنة كاملة نتدرب يوميًا على فنون القتال وكيفية التعامل مع الأسلحة الآلية.

 

ويروي لنا الحاج محمد الطيب أنه في أوائل شهر مايو سنة 1967 صدرت الأوامر للواء 11 مدرع بالتحرك إلى منطقة الشيخ زويد للانضمام إلى الفرقة الرابعة التي كان يترأسها الفريق صدقي الغول. وتظهر المرارة جلية حين يبدأ الحديث عن حرب الخامس من يونيو67 التي لا يجد لها مسمى يليق بها إلا النكسة أو الخيبة، ويقول أننا في هذه الحرب لم تتح لنا الفرصة للقتال ولم نستطع أن نعبر عن شجاعتنا أو حبنا لبلدنا فقد بدأت القوات الجوية الإسرائيلية في ضرب المطارات المصرية ثم أصبح الطيران الإسرائيلي متنزها في سماء سيناء يتجول حتى يكتشف رتل عسكري فيتم تدميره بالكامل، وصدرت الأوامر من الفريق صدقي الغول بالانسحاب من الشيخ زويد والتراجع إلى منطقة الحسنة وأثناء تحركنا إلى الحسنة تم استهدافنا من الطيران الإسرائيليي ففقدنا بعضًا من الدبابات والعربات ومجموعة غير قليلة من الجنود البواسل، وحينما وجدنا أن الدبابات هدفًا سهلا للطيران الإسرائيلي تركنا الدبابات والعربات وبدأنا في السير على أرجلنا حتى وصلنا إلى الحسنة بسيناء ومن الحسنة إلى ممر "متلا"، لنعود بعدها إلى الإسماعيلية.

 

يضيف الحاج محمد الطيب أنه بعد نكسة 5 يونيو 1967 وبعد انضمامه للواء 15 مدرع ظللنا نتلقى تدريبات قتالية عسكرية دائمة وكذلك قمنا بتدريبات على عبور القناة بالدبابات البرمائية والقوارب المطاطية، ظللنا حتى عام 1973 في كر وفر مع القوات الإسرائيلية وضرب متبادل، وفي هذه الفترة تمت ترقيتي إلى رقيب الفصيلة فكنت أنا قائد دبابة وكان قائد الفصيلة الملازم أول عمر حجازي قائد الدبابة الثانية للفصيلة، بينما كان قائد السرية النقيب أحمد فتوح فهمي وكان يتولى قيادة الكتيبة للمقدم الذي تم ترقيته أثناء وجودنا إلى عميد باهر زكي رشدي، أما قيادة اللواء فكانت في البداية للواء عادل سوكة ثم تولاها فيما بعد اللواء تحسين شنن.

 

وقال : شعرنا بالمرارة تعتصر قلوبنا حينما تلقينا خبر إنهاء خدمتنا العسكرية في 1/7/1973، كيف لأحلامنا في العبور أن تتبدد بهذه السهولة، كيف لأمنياتنا بالمشاركة في الانتقام لشرف الجندية المصرية أن ينتهي، كيف لهذه الطموحات التي عشنا طوال ست سنوات كاملة نبنيها ونزكيها بالمشاركة في عودة الأرض وغرس العلم المصري في قلب سيناء، كل هذا وغيره من المشاعر المؤلمة هاجمنا حين عرفنا بقرار إنهاء خدمتنا، عدنا إلى بلادنا ونحن ننتظر أن نسمع أخبارًا جديدة وأنباء تسر النفس الحزينة وتريح القلوب المتعبة من الحسرة والأنين حتى جاء الفرج باستدعائنا مرة أخرى إلى القوات المسلحة في منتصف سبتمبر 1973، لم يطل الغياب كثيرًا أقل من ثلاثة أشهر لكنها كثلاثة قرون، رجعنا وزاد الأمل وتجدد الطموح بالعبور المنتظر وإما منتصرًا وإما شهيدا أروي تراب أرضك يا سيناء بدمائي الذكية.

 

أضاف : عدت إلى اللواء 15 مدرع بأبوصوير واستلمت مهامي رقيبًا للفصيلة وأقدم جنودها وقائدًا لإحدى دبابتيها. وفي أول يوم من شهر أكتوبر صدرت الأوامر من اللواء تحسين شنن قائد اللواء بالتحرك من منطقة أبوصوير إلى منطقة الصالحية بالإسماعيلية بين الإسماعيلية وبورسعيد واستمرت التدريبات الشاقة والجادة حتى جاء اليوم الموعود وأشرقت شمس السادس من أكتوبر ومنذ بداية اليوم ونحن متأهبين للتحرك دون أن نعرف إلى أين هذا التحرك، كل جندي يحمل شدته العسكرية وينتظر الأوامر بالإنطلاق، ومع انطلاق الطيران المصري مستهدفًا مواقع العدو الإسرائلي صدرت لنا الأوامر بالتحرك والتقدم نحو القناة، وصلنا شاطئ القناة بعد حوالي 6 ساعات من السير بالدبابات في الصحراء وبدأنا في عبور القناة من منطقة البلَّاح بالقنطرة غرب.

 

وقال : من المواقف التي لا أنساها أننا ومع بداية العبور تشنج سائق الدبابة من رهبة الموقف وعظمة الأمر وغزارة الضربات التي يراها من العدو الإسرائيلي فقمت بقيادة الدبابة البرمائية المجنزرة التي ما أن تدخل المياه حتى تسير فوق المياه مخلفة خلفها الحسرة والخيبة التي حملناها فوق صدورنا ستة أعوام كاملة حتى وصلنا إلى الضفة الشرقية وصعدنا إلى الشاطئ من ثغرات بخط بارليف تم إعدادها بواسطة الجنود الشجعان من سلاح المهندسين المصري، وتقدمنا لمسافة ثلاثة كيلو مترات في عمق الضفة الشرقية بالقنطرة شرق، تمركزنا في هذه المنطقة وبدأنا الضرب والقتال حتى يوم التاسع من أكتوبر حيث صدرت لنا الأوامر من اللواء تحسين شنن بالتقدم للأمام مرة أخرى فتمركزنا على بعد 4 كيلو مترات من مكاننا، وبدأت قوات الفصيلة في خندقة الدبابات حتى تختفي عن أعين العدو.

 

أضاف: قمنا بعمل خنادق للتحصين نلوذ بها أثناء الضرب على بعد خمسة عشر متراً من خندق الدبابة واستمر القتال مع العدو حتى يوم السابع عشر من أكتوبر حيث أقسى المشاهد التي شاهدتها وآلمها لنفسي حيث استهدف الطيران الإسرائيلي فصيلة كاملة من فصائل الكتيبة التي أنتمي لها على بعد 50 متر تقريبًا من فصيلتنا وللأسف استشهد كل أفراد الفصيلة، منظر من أقسى المناظر التي يمكن أن تراها، ويذكر الحاج محمد أنه في الفترة الأخيرة من الحرب زادت الخسائر في الجيش المصري نتيجة الدعم الأمريكي مما اضطر القيادة المصرية لقبول وقف إطلاق النار، وعشت أيام الفرحة والانتصار وعودة الأرض مع زملاء الكفاح وأصدقاء النجاح ورفقاء الحلم وأخوة الطموح وخلعنا رداء الخيبة والذل ولبسنا تاج العز وأردية الكرامة، ظللنا بالقنطرة شرق نحتفل بالانتصار.

 

تحية ملء الأرض والسماء لكل أبطالنا البواسل الذين غيروا خارطة السياسة في الشرق الأوسط بفضل نبلهم وشجاعتهم وإيمانهم بقضية الأرض والحق.

 

تحية للشهداء الذين رووا بدمائهم رمال سيناء الحبيبة وسطروا بدمائهم الحكايا الخالدة لعظمة الجندية المصرية عبر التاريخ.

 

تحية للبطل محمد الطيب وقائده الباسل باهرا زكي رشدي وتحية لزملاء الكفاح الذين أمتعوا الوجدان بهذه القصة الرائعة الممزوجة بالأصالة والعزيمة والوفاء.






يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل