حكاية  "الأنا المعذبة"  و" طقوس الخلاص ".. أسرار" دفاتر"  الفنانة التشكيلية فدوى القاسم

تعيش الفنانة التشكيلية والكاتبة الفلسطينية فدوى القاسم حياتها الحقيقية في صحبة فنها وبرفقة لوحاتها ؛ وتقضي ساعات بين الفرشاة والفحم والألوان والدفاتر، مهمومة طوال الوقت بالبحث والتفتيش عن جوهر الوجود الإنساني وعن الكثير من معاني الحياة ، ولابد أنك ستشعر تجاه لوحاتها المختلفة أن روحا مسكونة بالأمل والحنين إلى عوالم مجهولة  تقبع خلف تلك اللوحات ، ليس الأمل فقط ولكنه الشغف والجنون أيضا ؛إنه جنون الفن ومتعته وتحليقه بصاحبه تجاه سموات مفتوحة دائما وأبدا،

تزخر لوحات فدوى بالرمز بشكل لافت وتوظيف الرمز محطة هامة في الكثير من أعمال القاسم التي تجيد بلاغة التلميح والإيحاء الشفيف وصناعة لوحات  مثيرة وغامضة لكنها مبهرة وممتعة في آن وهي تصنع ذلك من خلال تلك الرموز وتفضل في معظم الأحيان تلك الطريقة على التصريح الكاشف الذي يفقد اللوحات ثراءها وجاذبيتها ؛ لذا ستقف أمام الكثير من لوحاتها طويلا متسائلا عن مضمون تلك الرموز وما تحيل إليه من معنى أو قصد .. خطوط  فدوى تنساب على اللوحات فتحتضن بياضها وتنصهر فيها و تنصهر معها روح الفنانة التي تسكبها على وجه اللوحة قبل أن تسكب ألوانها وخطوطها ..

 

 

دفاتر فدوى 


وفي هذا اللقاء الخاص الذي يجمعنا بالفنانة وعدد من لوحاتها تعرض الجمهورية أون لاين هنا عددا منها  أنجزتها فدوى  في إطار أشبه بتسجيل "يوميات " إذا جاز التعبير وهي يوميات تشكيلية وقتها صاحبتها في " دفاتر " يومية بعنوان " الأنا المعذبة وطقوس الخلاص : رؤية مغايرة" وهو ما  يعطي انطباع  برغبتها في أن تصف ذلك المشروع أو تلك اللوحات ( الدفاتر) بسمة خاصة تميزها عن بقية إنتاجها  .. ولنتركها تحكي لنا  بنفسها هنا عن سر هذه الأعمال أو الدفاتر  التي تستخدم فيها الفحم، أو الحبر والماء، والكولاج.  والتي لم تكن تنوي نشرها كما اعترفت لنا ، إذ تبدأ والكلام عن لسانها:

" هذه الأعمال التي تأتي كمناجاة للنفس، هي حديث داخلي أشبه باليوميات أو المدونة. كان يتردد على مسامعي أن على المرأة أن تخرج من الخاص إلى العام إن أرادت أن تُعتبر كاتبة  أو فنانة.  بينما أرى العكس تماماً، برأيي، الخاص هو الذي يجمع التجربة البشرية، والتفاصيل أيضاً"

وهكذا تفاجئنا القاسم من البداية  بتصورها المفارق لما نتوقعه  إذ تعلن أن طريقها إلى  الفن والكتابة والحقيقية  هو صدق الإخلاص في التعبير عن  الهم الخاص وتأمله بيد أن الخروج بذلك الخاص إلى النور صار اختيارها في النهاية

لكن ما الذي يشغلها وتحاول أن تصنعه أو تحققه في تلك اللوحات ..هذا السؤال أو التساؤل  تفسره لنا الأمر بقولها:
:" هذه الأعمال أوظف فيها الرموز، أعيد صياغة الأسطورة وأخترق عبرها الواقع كما نعرفه نحن هنا، الآن. وهناك محاولات لنقل الأساطير من طورها العلوي إلى طورها السفلي، هنا على الأرض. ستجد في اللوحات قارورات، وطيوراً ترتدي الأثواب، ومثنوية المخلوقات، سموات ونوافذ تنفتح على عوالم قد تكون خيالية أو مغايرة أو ربما هي ما نراه ولا نتحدث عنه، المخفي والأسرار. ستجد الشيء ونقيضه.. إن بطل هذه الأعمال هو التوق إلى واقع مغاير"

هكذا تقول وهكذا تحاول القاسم أن تعيد صياغة العالم من جديد داخل حدود لوحاتها ؛ ربما هربا من واقع ليس هو الأفضل وربما بحثا عن عالم أكثر جمالا وإبداعا وحرية ، لكن لوحاتها دائما ما تطرح الكثير من الأسئلة والتساؤلات ، دون أن تنتظر لها إجابات ؛هي فقط تلقى في وجه اللوحة السؤال مرسوما  تارة بالفحم وأخرى بالحبر والماء وربما الكولاج وهي فيما تفعل لا تملك للمتلقي إجابات ولا يقين لكنها وعلى حد تعبيرها نصا "  لكنني مثل البشرية كلها، لدي الكثير من الأسئلة. وكل جواب أظنني حصلت عليه، تنبثق منه تساؤلات جديدة. أنا أطرح الأسئلة فحسب، والمتلقي يجد إجاباته، التي ستكون مبنية على فكره وثقافته وخلفيته.


لكن من أهم تلك الأسئلة هو ذلك السؤال الرئيس الذي يخص الفن بشكل عام :هل يأتي الفن أو ينبعث من منطقة اللاوعي أصلاً ثم يوظفه وعى الفنان بطريقة ما ؟
وهنا تحديدا وجدنا لفدوى القاسم رؤيتها وتفسيرها الخاص لطريقة إبداعها وفهمها لما تفعل ؛ فهي تحاول  كما شرحت لنا أن تبتعد عن سلطة الوعي وأحكامه المسبقة، وقيود الرقابة الذاتية التي يفرضها، ثم إنها كما نعرف قد  درست العلاج بالفن Art Therapy، لذلك تعتبر والحديث عن لسانها  " هذه الأعمال تحديداً نوعاً من المزج بين الفكرة أو السؤال الواعي والتنفيذ والتعبير الذي ينبع من اللاوعي."
                                                    

هوية إنسانية


وقد توفرت لفدوى فرصة لا تتوفر لغيرها بسهولة وهي إتقانها لعدة لغات واطلاعها على ثقافات مختلفة  نظرا لتنقلها بين دول متعددة شرقا وغربا خلال مسيرتها منذ ميلادها وحتى الآن وعن ذلك البعد في تكوينها ننقل ما سردته نصا عندما قالت: " إن مفرداتي البصرية والفنية تكونت مما عشته من تباين بين الثقافات، من تنتقلي ما بين طرابلس الغرب مسقط رأسي، إلى أوروبا، ما بين بريطانيا وإسبانيا، وصولاً إلى كندا ثم الخليج العربي بين الكويت والإمارات، ومن اللغات التي أتقنها والتي قرأت فيها (العربية، الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية). لذلك ستشاهد أحياناً ازدواجا في المعاني والصورة والرمز. فمثلاً يرمز اللون الأزرق في بعض الأساطير إلى الشر: الجن الأزرق، الحوت الأزرق، النجم الأزرق، الموت الأزرق؛ لكن الازرق أيضاً، في بعض الثقافات، هو الانفتاح والسلام والسكينة " وبالفعل حين يتأمل المتابع لوحات فدوى ذات الهوية الإنسانية والثقافة العابرة  سيجد كثيرا مما ذكرته  الفنانة واضحا بل ولافتا إذ تحيلك الكثير من لوحاتها إلى عوالم ثرية مليئة بالمتناقضات أحيانا وإلى رموز يمكن تفسيرها على الأمر أو المعنى وعكسه في ذات الوقت ؛ إن مفردات لوحاتها مشحونة بالكثير من الغموض الشفيف الذي يجذبك لتغوص داخلها كغواص يدمن النزول إلى الأعماق ليرى ما لا يستطع رؤيته الذي اكتفى بالوقوف على الشط.

وترى صاحبة "الدفاتر " أن اللوحات  ربما تبدو غاية في التعقيد أو غاية في البساطة. لكنها تتحول في نظرها تلقائياً إلى ما يراه أو ربما ما يريده المتلقي. وإذا عاد إليها بعد فترة ورآها تغيرت، فلأنّه هو من تغيّر.

في كثير من اللوحات تستطيع فدوى التي ترحلت من وطن إلى وطن ومن عالم إلى عالم أن تنقل لك بحس تشكيلي مرهف ذلك الهاجس الفني الذي ينطوى على معاني الغربة والنفي والانتماء ، وعند سؤالها عن ذلك الهم اللافت في أعمالها علقت : "نبدأ حياتنا بالنفي والغربة (من الرحم، ربما)، ونمضي مشوار حياتنا في البحث عن وطن، ليس بمعنى دولة أو أرض أو مسقط الرأس، وإنما المَأْوًى، المَلاذ، المُسْتَقَرّ. ذلك الفضاء الذي نشعر فيه بالحنان والحب والهدوء والسكنية والاطمئنان، حيث يمكننا أن نكون على طبيعتنا من دون خوف." وهكذا نفهم من حديثها أن للغربة وللوطن وللنفي معان مختلفة تماما في تصورها ؛ وتشرح ذلك أكثر عندما تواصل سردها الممتع كلوحاتها تماما قائلة:

"إن النفي الذي نعتبره فيما بعد استقلالية أو حتى قوة،  هو قوة تخفي ضعفاً وحنيناً لا نريد الاعتراف بهما. "  هكذا ترى فدوى النفي وهكذا كتبت أيضا في أحد نصوصها السردية إذ إنها كما نعرف قاصة ومترجمة وشاعرة أيضا : "قال أحدهم فليكن النفي، وهكذا كان، نفيت منذ اليوم السابع قبل ولادتي وحتى اليوم السابع بعد موتي، وما بين النفيين، وما بين الأنفاس المتلاحقة، في تلك المساحة حيث تنبت للكلمات أجنحة، كتبت قصصي، وفي قصصي، الغيوم موطني.."

إن الواقع الذي نراه ونعيشه غير الذي يحيط بالآخرين وغير الذي تراه فدوى أو تحاول أن تحققه على أرضية دفاترها فالواقع كما ترى القاسم وعلى حد تعبيرها في السطور القادمة  مختلف إذ تقول: "  نتحدث عن الواقع كأنه شيء ثابت، لا يتغير، وكأنه الواقع ذاته بالنسبة للجميع حول العالم. قد تكون هناك أمور لا نستطيع تغييرها، لكن هناك الكثير من التفاصيل والتباينات في واقعنا الحالي والتي يمكننا تغييرها، وهي تختلف حسب الزمان والمكان. أحاول في هذه المجموعة من الأعمال التمرد عليها " .. وهكذا تحاول  التشكيلية الفلسطينية الأصل إنسانية الهوى عالمية الثقافة  أن تطرح تساؤلاتها ورؤاها بحثا عن واقع أكثر جمالا وأقل قبحا ، مؤمنة بأن طرح همها الخاص بصدق سواء في الكتابة القصصية أو التشكيل أو غيرها من وسائل التعبير الفني والأدبي هو الطريق الآمن لأن تصبح هي هي فدوى القاسم نفسها دون غيرها بحيث لا تشبه أحدا .

يذكر أن فدوى القاسم  أصدرت  العديد من الأعمال الأدبية منها: رائحة حب الهال، لحظة الخروج من الجنة ( مجموعتان قصصيتان دار شرقيات / مصر)، يوميات كائنات صغيرة ( دار جود/ سوريا)   مجموعات فنية منها "مدن.. أفق ورحلة"، و"فوضى الجسد"، ولوحات كولاج وحبر وماء مصغرة "الأنا المعذبة"، وأعمال نسيجية "دفاتر الدفء"، ومجموعات كبيرة من الأعمال المتنوعة تقدمها في دفترها اليومي ولها أيضاالعديد من القصص القصيرة باللغتين العربية والإنجليزية،  وبعض قصائد الشعر كتبتها الإنجليزية، فضلا عن رواية واحدة لم تنشر بعد.







يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل