رواية بين العطر والنغم (13) 

كتبت أماني عطاالله

الحلقة الثالثة عشر من أحداث رواية بين العطر والنغم للكاتبة أماني عطاالله، التي لاقت ترحيبا واقبالا بين زوار معرض الكتاب الدولي للكتاب 2020، إليكم الأحداث...


رمت الغرفة بنظرة متفحصة أخيرة قبل أن تغادرها.. نزلت الدرج في سعادة.. قبَّلت المفتاح قبل أن تضعه أرضًا في رفق وكأنها تعتذر له بعد معروفه معها.. وقفت تتطلع له مبتسمة عندما انفتح الباب فجأة... 
تسمرت قدماها حيث كانت قبل أن تتمكن أخيرًا من الابتعاد هرولة إلى أقرب مخبأ عن عينيه التي تعلقت بها في دهشة وتساؤل.
ظلت عيناه تلاحقانها حتى اختفت فتحولتا لا إراديًا إلى حيث تسمرت عندما دلف من باب الشقة.. تحسس جيب سترته في توتر قبل أن ينحني ليلتقط المفتاح الذي يبدو أنه سقط منه سهوًا هذا الصباح.. ولكن.. 
أتراه قد وصل في الوقت المناسب بالفعل أم أن تلك المخادعة اكتشفت وجوده منذ فترة تكفيها لنبش حياته كلها؟

تنهد في عمق قبل أن يُسرع الخطى متجهًا إلى غرفته في فضول.. عرج إلى المطبخ في طريقه.. حيث اختبأت فور شعورها بمجيئه.. ارتباكها لرؤيته زاد من ارتيابه فيها ولكنه لم يُعلق. 
ما إن فتح باب غرفته حتى أقسم أنفه الخبير بأنها غادرتها للتو.. العطور مهنته وعطرها إدمانه.. فكيف تخيلت تلك البلهاء بأنه لن يكتشف حيلتها؟!
بصمة شفتيها فوق وسادته لم تترك له مجالًا للشك في تلصصها.. جلس هامدًا يمسح أحمر شفاهها بأصابعه في مزيج من السخط والحنين.. أخرج صورتها من تحت وسادته وتمتم بسباب خافت قبل أن يصرخ لمناداتها.
أقبلت نحوه بخطوات مترددة.. هل اكتشف أمرها؟  ذكاؤه ليس جيدًا في كل الأحوال.. خاصة عندما يتعلق الأمر بها. 
كان قد وضع صورتها في مكان بارز يسمح لها برؤيتها واضحة.. لم يحاول إخفاءها هذه المرة. 
اكتشف أمرها إذًا.. وعرف أنها كشفته.. فما الذى سيفعله الآن؟  

ابتسمت لا إراديًا في لهفة لمعرفة ردة فعله.. هل قرر أن يصارحها بحقيقة مشاعره التي أخفاها بجدارة كل هذا العمر..؟  
أربكته ابتسامتها وبدلت مخططاته.. تحول هجومه إلى دفاع.. فتسارع نبضه هامسًا في تلعثم:
-    والدتي هي من أرسلتها لي.
بادلته الهمس وهي تتطلع في عينيه قائلة:
-    ظننتها صورة أماندا. 
صاح في انفعال:
-    ولماذا أحتفظ بصورة أماندا في غرفة نومي؟
-    كنت ستتزوجها.
-    ولكنني لم أفعل.. تزوجتكِ أنتِ في النهاية. 
سألته بصوت متهدج:
-    لماذا؟
تعمق في عينيها قليلًا قبل أن يشيح بوجهه عنها.. ما لبث أن هتف بعصبية لا تخلو من الألم:
-    ظننتنا نتوافق أكثر.. لم أكن أتخيل أن وضعنا سيكون بهذا السوء.
فتحت فمها لتعترض ولكنه كان الأسرع.. استدار إليها قائلًا في حُرقة:
-    لم أكن أعلم بأنك تعشقين رجلًا آخر.
قالت بصدق لم يُصدقه:
-    لم أكن أعلم بأنكَ تحبني.. لولا فادي......
قاطعها صارخًا في عِزة:
-    أخبرتكِ أن فادي مُهرج كبير لا أكثر.. لماذا تصرين على تصديقه؟
-    آسر.. أنا.....
-    أنتِ ماذا..؟ تقتحمين غُرفتي كاللصوص وتعبثين بأشيائي بلا لياقة ولا ضمير ثم تتحدثين لي بهذه اللهجة الناعمة والعيون الحالمة.. وكأنكِ بريئة مما فعلتِ. 
تلعثمت لهجومه العنيف بينما تابع هو في لهجة أكثر عُنفًا وعذابًا:
-    ما الذي تحاولين فعله بي..؟ ماذا تريدينني أن أُصدق وأنا أراه في عينيكِ كلما لمحتِ غيتارًا..؟!
تطلعت إليه في حيرة.. يبدو أن ريبته وشكوكه أعمق مما تخيلت.. ولكن.. ربما كان مُحقًا.. كيف تريده أن يصدق تلك المشاعر التي تولدت في قلبها عملاقة.. إن كانت هي نفسها لا تصدق بعد ما تشعر به نحوه..؟!
في شهور قليلة أعلن قلبها تتويجه فجأة.. كيف تخبره أن عشقه.. ذلك الزائر المباغت الذي حمل إليها في زيارة واحدة كل أشواق السنوات الماضية.. لم يُجبرها على نسيان رامز فقط بل ونسيت حتى نفسها أيضًا. 
ارتبكت وهي تستجدي كلمات تُمكِنها من وصف إحساسها به.. كيف تقنعه بأن ما يداهمها نحوه شيء آخر..؟ شيء لم تجربه من قبل.. عشق تسلط عليها فكان أكثر استبدادًا وطُغيانًا منه.. مارد أجبرها على أن تعيش له وحده في إعجاز فشلت عن تفسيره واستيعابه..؟!
لعقت شفتيها وغمغمت في تلعثم:
-    يومًا ما.. كنتُ أظن بأنني أعشق رامز.
قال في تهكم ومرارة:
-    والآن تظنين بأنكَ تعشقينني أنا.
ابتلعت ريقها في ألم دون أن ترفع عينيها عن وجهه.. تابع ساخرًا:
-    أي أحمق تظنين بي؟!
تحول حنينها إليه ضيقًا ولهفتها غضبًا.. ملامحه الفولاذية لم تكن تحمل إلا القسوة وحدها.. لم يكسِها حب هذه المرة. 
سخريته أدمت مشاعرها الوليدة ولكنها لم تقتلها.. ليتها فعلت. 
استهانته بعشق أثقل كاهلها وبمشاعر هي الأسمى بالنسبة لها.. فاقت قدرتها على التحمل.. هتفت في لوعة وهي تغادر غرفته بائسة:
-    كلا.. لا أظن أبدًا أنني أحبك.. أنتَ أقسى من أن يحبك أحد.
ظل يتابع طيفها مُتهكمًا.. إن كانت في شهور قليلة قد نبذت رجلًا كادت أن تقتل نفسها لأجله.. فكم يومًا سيستمر عشقها المزعوم له؟! 
***
لليوم الرابع على التوالي لم يذق للنوم طعمًا يُذكر.. يضنيه السهد والجوى.. لم يكن ينقصه فيض مشاعر فأين سكبت المزيد من الحنين إليها..!
بالكاد أغمض عينيه قبل أن يفتحهما غصبًا.. أدرك أنه تأخر اليوم أيضًا عن موعده المعتاد.. تلميحات أماندا عن سبب تأخره لا ترضيه.. تُزيده ضجرًا.. تارة تلوم ناردين وتارة تحسدها. 
لكم ظن أن أماندا أعقل من أن تكون مجرد أنثى في الأخير..!
عندما عاد من عمله كانت تشاهد التلفاز.. منحته نظرة عابرة وهي ترد تحيته في اقتضاب.. جلس بجوارها.. لم يفعلها منذ زمن.. منذ كانا معًا في ذلك الكوخ.
تعلقت عيناه بالشاشة المتحركة تتابع في نهم عازفي الفرقة الموسيقية التي تنصت إليها في اهتمام فاق اهتمامها به.. لم تُغير المحطة هذه المرة فور رؤيته.. هل هذا عائد لكونه ليس بينهم أم ليقينها بعدم معرفته لذلك اللعين بعد؟
لم يكن بينهم.. نهض قائلًا في شيء من الارتياح:
-    سأغتسل وأبدل ملابسي ريثما تعدين الغداء.
كان قد وصل إلى منتصف الردهة عندما هتفت في لامبالاة أتقنتها:
-    لا يوجد غداء.
استدار إليها في تساؤل فأردفت:
-    اعتدتَ أن تتناول طعامك في مكتبكَ مؤخرًا.. لذلك لم أجهز أية وجبات. 
-    هكذا إذًا. 
مطت شفتيها ولم تعلق فأردف ساخطًا:
-    كان عليكِ أن تقومي بواجبك وتتركي لي الاختيار
-    لم تترك لي خيارًا سوى إلقاء وجباتي في سلة المهملات يومًا بعد آخر.
ظل يتطلع إليها في تذمر صامتًا.. كان يعلم أنها محقة وإن كان تحديها له لا يروقه.. كيف تجرأت وناطحته بهذه الطريقة المستفزة؟!
قال أخيرًا:
-    وماذا عنكِ؟
-    اكتفيتُ بشطيرة من الجبن والخيار.. يُمكنني أن أعد لكَ مثلها إن شئت.
-    ارتدي ملابسك.. سنعود لسابق عهدنا ونتناول الغداء في المطاعم.
تحولت عيناها إلى شاشة التلفاز قائلة:
-    اذهب بمفردك. 
-    ماذا..؟
-    لا رغبة لي في تناول الطعام بصحبتك.
استمر في التطلع إليها ساخطًا.. فأردفت في مكر:
-    أخشى أن أفسد شهيتك.. اتصل بأماندا.
زفر في استياء قبل أن يتركها ويغادر المنزل وحده بالفعل.. أغلق الباب خلفه في عنف فأغلقت بدورها التلفاز متذمرة.. لماذا هو غاضب الآن.. أليس الجفاء مطلبه؟  أليس هو من يصر على تعميق الهوة بينهما حتى كادت أن تبتلعهما معًا؟  أليس هو من يرفض غفران ماضٍ أهوج وذنب غير مقصود منها؟ 
مادام يرغب في أن يقتات عذابًا فسوف تُطعمه منه حتى يكتفي ويطلب الرحمة.
***
في صباح اليوم التالي ضاقت عيناه في توجس عندما فوجيء بها تنتظره بكامل هيئتها ليأخذها في طريقه إلى مدرسة الطهو.. لحسن الحظ كان حضور الدروس اختياريًا ويمكنها الذهاب إليها متى شاءت.. حسب رغبتها في تعلم وجبات بعينها. 
لم تكن تعلم أية وجبة ستتمرن لإعدادها هذا الصباح ولا إن كان سيتيفن سيبقى مُعلمًا لها في الدورة التدريبية الجديدة لهذا الشهرأم لا. 
كانت تعلم فقط بأنها ستكون معه.. تتمتع برفقته تلك الدقائق المعدودة وهي تجلس بجواره في السيارة حتى ولو قادها صامتًا.. ذلك المستبد الذي تشتاق إليه رغم كونهما يتشاركان المسكن ذاته.. ويقبع على بُعد خطوات منها.
كررت فعلتها كل صباح علّها تخلق مجالًا للحديث معه.. توقعت واهمة بأن صحبتها له يوم بعد آخر ستُجبره على الاعتراف بعشقه المحموم لها.. لكنه لم يفعل.. عيناه كانتا أكثر سخاءً من لسانه البخيل الذي ضاعف سخطها وتمردها. 
كل الاحتمالات جالت بخاطرها عدا أن تتركه وترحل وحيدة إلى والديها.. لن تطلب الانفصال عنه أبدًا.. ليس بعد ما أصابها نحوه من غرام أذهلها. 
لن تهجر قلبًا اشتراها كل هذه السنوات بلا كلل.
لكنه عندما جلس مقابلها حول مائدة الغداء الذي عاد لتناوله معها بعد انقطاع دام طويلًا.. قالت فجأة مُتغاضية عن قراراتها السابقة:
-    متى ستطلقني؟
شهقت بعنف وعضت على شفتيها ندمًا عندما انحشرت البلعة في حلقه حتى كاد أن يختتنق بها.. ناولته كوب الماء وعلى شفتيها ابتسامة تحمل من الشفقة أكثر مما تحمله من شماتة.. نعم.. كان الغيظ منه يشعل أعماقها ولكنها لم تتوقع أن تصدمه لهذه الدرجة. 
قال أخيرًا بعد أن هدأت أنفاسه:
-    تأكدي بأنني سأفعل ما إن تتحسن صحة والدك.
هتفت في مزيد من العناد ولّده إصراره على الكذب:
-    لا شأن لكَ بصحة والدي. 
-    يا لكِ من جاحدة..!
قالت بخبث وهي تتعمق في ملامحه:
-    هل أنتَ واثق من أن صحة والدي لم تتحسن بعد؟
ضاقت عيناه وهو يتطلع إليها مُتفحصًا قبل أن يسألها في ريبة:
-    هل تحدثتِ مع والدتك مؤخرًا؟
تنهدت في حيرة حقيقية قائلة:
-    حاولت مِرارًا من دون جدوى.. لا أدري ماذا حدث..؟! 
عاد إلى الاهتمام بطبقه ولم يُعلق.. كيف يُخبرها بأنه لم يكتفِ فقط بإلغاء خدمة الاتصال الدولي.. بل وتعمد أيضًا تغيير رقم الهاتف في المنزل حتى يضمن عدم التواصل بينها وبين والديها لكيلا تكتشف أمره. 
***

باتت ليلتها ساهدة.. القلق على والديها كان أشد من أن تتجاهله هذه المرة.. إن كانت هي قد عجزت عن الاتصال بهما فلماذا لم تتصل والدتها بها حتى الآن؟ ولماذا اقتصر اهتمام والدها على آسر.. أليست هي ابنته والأولى باهتمامه من ذلك الغريب..؟!  
والدها يعلم أن زواجهما مسألة وقت ليست إلا.. فلماذا يتواصل معه ويهملها؟!
أتراه لازال غاضبًا منها بعد كل هذه الشهور.. هل هو من منع والدتها من الاتصال بها..؟! 
لم تعتد منه هذه القسوة قبلًا..!
  وماذا لو كانت حالته الصحية قد ساءت من جديد؟ ربما انشغال والدتها بمرضه هو ما منعها من التواصل معها بلا قصد.. أو ربما تعمدت ذلك كيلا تسبب لها إزعاجًا وفزعًا بشأن صحة والدها. 
ولكن ماذا عن آسر..؟ 
هل يرفض تطليقها بسبب ذلك؟
هل يصر على بقائها معه عشقًا لها بالفعل أم رحمة بصحة والدها وإكرامًا لذكرى والده لا أكثر؟ 
***
ألقى نظرة أخيرة على هندامه المرتب قبل أن يبتسم لصورتها ويغادر الغرفة.. جاهد ليحافظ على رباطة جأشه وهو يعدو فوق الدرج حِرصًا على رؤيتها أكثر من حرصه على الوصول المبكر إلى عمله. 
ضاقت عيناه في خيبة أمل وهو يتطلع إلى الأريكة الخالية منها.. كان يظنها تنتظره كعادتها مؤخرًا ليوصلها في طريقه إلى المدرسة.. هل يعقل كونها لم تستيقظ بعد ؟ لم تخبره شيئًا عن تغيبها. 
ربما لم تنته من ارتداء ملابسها.. هو من بكر اليوم عن أمس. 
استدار يتطلع إلى الدرج في تردد.. هل يذهب هو ليستعجلها بنفسه؟ وماذا لو فضحته أشواقه إليها؟
ذرع الردهة في عصبية منتظرًا ظهورها ولكنها لم تفعل.. قرر أخيرًا إرتقاء الدرج عدوًا إلى غرفتها.. لا بأس من مواجهتها.. سوف يتأخر على مكتبه لو تأخرت هي أكثر من ذلك.. سيذهب ويستعجلها من أجل عمله وليس فقط لكونه اعتاد صحبتها وثرثرتها رغم صمته.
وقف على بُعد خطوات من بابها يلتقط أنفاسه اللاهثة.. تصنع تكشيرة يخفي بها لهفته إليها قبل أن يطرق بابها في شيء من الحدة ولكنه لم يتلق منها ردًا.. فتح الباب وابتسم في تهكم.. كانت لاتزال تغط في نوم عميق منعها حتى من الإحساس بوجوده. 
ابتلع ريقه في خيبة أمل وهو يتأمل وجهها الذي يعشقه أكثر من أي شيء آخر.. خصلاتها التي تهدلت حوله زادته جمالًا وسحرًا.. قاوم رغبة مُلحة تدفعه للاقتراب منها.. تنهد في عمق وهو يغلق بابها مُتكاسلًا.. يُجاهد ليقنع خطواته المتمردة بالتقهقر عائدة من حيث جاءت.. عليه أن يذهب الآن وحيدًا. 
وكأنه لم يكن وحيدًا من قبل..!
***
تثاءبت في كسل قبل أن تفتح عينيها وتتطلع حولها في يقظة لم تكتمل بعد.. تعلقت عيناها بالساعة الراقدة بجوار سريرها فأسرعت تنفض الأغطية عنها وتغادر الفراش.. ولكن إلى أين ستذهب الآن والساعة قد تجاوزت العاشرة؟
لم يحن الوقت لتحضير الطعام.. يُمكنها أن تسترخي في السرير وتحصل على غفوة أخرى إن شاءت.. تمددت فوقه من جديد مغمضة العينين.. داهمتها فجأة مخاوف ليلة أمس.. عليها أن تحاول الاتصال بوالدتها قبل أن تُجن.. إن لم تنجح هذه المرة في التحدث معها فسوف تعود إلى مصر في أول رحلة جوية. 
اغتسلت وبدلت ملابسها استعدادًا للذهاب إلى مكتب البريد .. ربما أرسلت لها والدتها خطابًا تعثّر هناك.. لن يستغرق الأمر وقتًا.. مجرد سؤال للموظف المسئول.. سوف تستخدم هاتفهم بدلًا من هاتفها المريض.. ربما كان ذاك يعمل.
فتحت الدرج وتناولت المظروف الصغير الذي أعطاها إياه آسر منذ فترة.. يحتوي نقودًا لطالما حرصت على عدم المساس بها ولكنها اليوم كانت في حاجة إليها. 
***
ابتسمت في عذوبة وهي تحيي الموظف في مكتب البريد قبل أن تستأذنه في استخدام الهاتف الدولي.. عجبًا.. ما كادت تنتهي من طلب الرقم الخاص بهاتف منزلهم في مصر حتى جاءها صوت والدتها متلهفًا على الطرف الآخر.. وكأنها كانت تنتظر سماع صوتها منذ زمن..!
هي أيضًا حاولت الاتصال بها مرارًا من دون جدوى.. يبدو أن خطوط الاتصالات في هذه المنطقة سيئة إلى حد كبير كما أخبرها آسر.. طلبت منها والدتها أن ترسل له سلامها وامتنانها.. لولا أنه يتصل بهما من وقت لآخر ويطمئنهما على أحوالها لجن جنون والدها.. حالته الصحية تحسنت كثيرًا ولكن الأطباء لم يسمحوا له بالسفر بعد خوفًا عليه من حدوث انتكاسة.  
لولا ذلك لكان سافر إلى لندن وعاد بها بنفسه إلى مصر..!  كاد أن يفعلها الأسبوع الماضي رغم تحذيرات الأطباء.. خاصة وأن ناردين لم تكن ترد على الخطابات. 
لم تفهم ناردين قصد والدتها جيدًا إلا عندما تحدث معها والدها.. صوته أفضل كثيرًا عن ذي قبل.. يبدو أن شوقه إليها لا يقل أبدًا عن شوقها إليه.. ليس غاضبًا منها كما كانت تخشى.. على العكس.. كان يشعر بالذنب تجاهها.. أخبرها في شبه اعتذار بأنه لن يعترض مجددًا على زواجها من رامز.. سوف يزفها إليه في أجمل فنادق القاهرة ما إن يتم طلاقها من آسر. 
طلب منها أيضًا أن تعود إلى مصر في أقرب فرصة ممكنة.. لا داعي لانتظار آسر حتى يفرغ من أعماله ليعيدها بنفسه.. فهو لا يريده أن يعطل مصالحه لأجل ذلك.. يكفي جدًا معروفه معهم..! إن كان ممنوعًا من السفر فـ بإمكانه أن ينتظرها مع والدتها في المطار.
وضعت السماعة أخيرًا وأطلقت تنهيدة ارتياح لا تخلو من الضجر.. إذًا لقد أخبر  آسر والديها بأن انشغاله بالعمل هو وحده ما يمنعه من طلاقها حتى الآن.. أتراه كان صادقًا..؟!
اتجهت في خطوات متثاقلة إلى الموظف وسألته عن الخطابات الكثيرة التي قالت والدتها بأنها أرسلتها لها.. صُعقت عندما أخبرها مبتسمًا بأن السيد آسر قد تسلمها جميعًا.. فهو يمر من هنا بانتظام ليسأل عن أي جديد يخصها..!
لماذا لم يعطها لها إذًا..؟!
هذا المحتال.. يتظاهر بأنه لا يراها بينما هو أقرب من أنفاسها إليها.. يتلصص حتى على أفكارها ثم يغضب ويثور لأنها تلصصت على غرفته ودخلتها خلسة.. أي إنصاف هذا..!
أخذتها أفكارها إليه حتى وجدت نفسها فجأة أمام منزلها.. ابتسمت لأنها لم تشعر بخطواتها وهي تسحبها إلى هنا. 
حاولت أن تتشاغل ببعض الأعمال المنزلية حتى تهرب من أفكارها ورغبتها المُلحة في رؤيته.. لا تستطيع الانتظار حتى يعود من عمله لتتفحص ملامحه وهي تواجهه بما علمته للتو.. كيف يتحكم في انفعالاته لهذا الحد..؟!
اللعنة عليه وعلى صلابته التي تكرهها بقدر ما تزيدها عشقًا له.
ألقت بمنشفة المطبخ جانبًا في تذمر.. كلا.. لن تستطيع الصمود أمام رغبتها أكثر من ذلك.. سوف تذهب إليه في مكتبه.. تتخيل بعض الضعف يُغطي ملامحه قبل أن ينجح في التماسك ويرتدي قناعه اللامبالي.. تكفيها هذه اللحظات لتنعم بها مؤقتًا.. بمَ سيبرر فعلته هذه المرة..؟!  
ما إن وصلت إلى باب الشقة حتى تقهقرت ثانية.. تطلعت إلى ملابسها الفضفاضة وشعرت بالشفقة على مظهرها البائس.. كيف فكرت في الذهاب إلى مكتبه بهذه الهمجية..؟ 
وأماندا هناك..!
أسرعت إلى غرفتها لتغتسل.. ملأت حوض الاستحمام بمعطرها المفضل حتى تضاعفت نشوتها وعشقها للحياة قبل أن تغادره على عجل..  لولا انشغالها به لاسترخت فيه وقتًا أطول وتمتعت بذلك الكم الذي أهدرته من معطرها المحبب.. ولكن لا بأس.. كل شيء ستتمكن من تعويضه لاحقًا إلا إحساسها الطاغي بذلك الجليدي.. عليها أن تراه الآن. 
ارتدت ثوبها الأكثر أنوثة وإغراءَ.. لطالما كان يسحر رامز سابقًا.. ربما ليس جيدًا أن تفكر في رامز الآن. 
هزت رأسها وتنهدت مستنكرة.. على أية حال فهو لم يكن يسحر رامز وحده.. الغالبية من صحبتها كانوا يثنون عليه وعليها كلما ارتدته..
 في سخاء مُقنن تعطرت حتى شعرت بالرضا.. سوف تُطلق شعرها شريدًا فهو لا ينجح في كبت انفعالاته ولا بريق عينيه ليعلن إعجابه به.. انتعلت حذاءها ذا الكعب العالي.. بهذا قد تتخطى كتفيه.
هرولت راقصة تغادر المنزل حتى كادت تتعثر على الدرج وتسقط أرضًا لولا أمسكت بالسور الخشبي في اللحظة الأخيرة.. أشارت لإحدى سيارات الأجرة لتقلها إلى شركته.. ابتسمت وهي تُخبر السائق بالحرفين الذين اتخذهما اسمًا لها..N-A    
كيف لم تلحظ من قبل ما يلمحان إليه من معنى؟  ألا يكفي كونه جعل اسمها يسبق اسمه..؟!
تنهدت ساخطة.. حقًا غباؤها أكبر من أن يغفره بتلك السهولة التي تتوقعها.. ولكن المهم هو أن يغفره في النهاية.  
***


انتظروا تكملة الرواية أحبائي,


رابط الحلقة التاسعة 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/621767.html
رابط الحلقة العاشرة
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/622470.html
رابط الحلقة الحادية عشر
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/626387.html
رابط الحلقة الثانية عشر 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/632281.html





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل