رواية بين العطر والنغم (14) 

كتبت أماني عطاالله

الحلقة الرابعة عشر من أحداث رواية بين العطر والنغم للكاتبة أماني عطاالله، التي لاقت ترحيبا واقبالا بين زوار معرض الكتاب الدولي للكتاب 2020، إليكم الأحداث...

دخلت أماندا إلى مكتبه تحمل تركيبته العطرية الجديدة وعلى شفتيها ابتسامة واسعة.. نهض ليقترب منها وهو يبادلها ابتسامتها في زهو وسعادة.. ها هي فكرة عبقرية أخرى قفزت من عقله الفذ وتجسدت أمامه.. كلا.. بل قفزت من قلبه هذه المرة.. أبدًا لم تكن فكرة كسابقاتها.. بل كانت إحساسًا سكبه سهوًا عندما داهمه عشقها الشرس وأدماه بلا رحمة.. 
قدمت له أماندا قارورته السحرية فنزع غطاءها وراح ينتشي بعبيرها مغمض العينين.. همست في نعومة وهي تمد كفيها لتحتضن راحتيه الملتفة حول إبداعه في عشق وتملك:
-    تهنئتي القلبية أيها العبقري.. عطرك سيزيد اللحظات الحميمية صخبًا ويجعلها أكثر رومانسية وإثارة. 
تأملها شاردًا ولم يعلق.. اتسعت عيناه دهشة عندما فتحت الأزرار العلوية في بلوزتها الحريرية وردية اللون.. همس في انفعال:
-    أماندا.. ماذا تفعلين؟
جذبت القارورة من يده وراحت تنثر عطرها فوق عنقها وثنايا صدرها المرمري المغطى بقبلات الشمس البنية.. تراخت أهدابها في نشوة ودعوة صامتة ليزداد اقترابًا منها.. 
عاد يغمغم في مزيد من الانفعال:
-    أماندا.. أين رصانتك؟ ماذا حدث لكِ؟!
وضعت القارورة فوق مكتبه واقتربت منه في هيام هامسة:
-    ألا تريد معرفة تأثير إبداعك في أحاسيس العاشقين؟ جرب بنفسك واستنشقه بعد أن امتزج بجلدي.. سحر ما بعده سحر.
ابتلع ريقه وهو يقترب من عنقها مغمض العينين حتى كاد يلثمه.. عطره حقًا يسلب العقل هذه المرة.. يعكس إحساسه القاتل بها.. كان يفكر فيها عندما ضغط على القطارة دون وعي لتتغير النسب التي حددها مسبقًا.. خشى يومها أن تفسد رعونته التركيبة كلها.. ولكنه رغم ذلك قرر أن يحتفظ بها ضاربًا بمخاوفه عرض الحائط...
استدار في حدة عندما فُتح الباب فجأة.. هل شعوره بها هو ما جسدها أمامه أم أنها بالفعل تقف كشعلة من نار في غرفة مكتبه؟!  
هز رأسه بعصبية بينما أماندا تبتعد عنه متصنعة الصدمة.. أدرك للتو فقط أنها كانت تلف عنقه بذراعيها.. اقتربت منه كثيرًا دون أن يدري.. كان مأخوذًا بسحر إبداعه وليس بها.. 
ولكن هل ستصدق هي ذلك الأمر؟
مضى بعض الوقت كان كافيًا لتسترد فيه رباطة جأشها.. قالت بصوت جاهدت لتتحكم في نبراته:
-    لم أجد أحدًا في الخارج.. فاضطررت لفتح الباب بنفسي.. هل قاطعت شيئًا مهمًا؟
أغلقت أماندا أزرار بلوزتها في بطء متعمد قبل أن تلتفت إلى آسر قائلة في مزيج من النعومة والخبث: 
-    لا بأس.. سوف نكمل فيما بعد.
اتجهت بعدها لتغادر مكتبه في خطوات متهادية جعلته ينظر مرغمًا إلى تنورتها القصيرة.. كانت بالكاد تغطي ملابسها الداخلية.. عجبًا.. ماذا حدث لها؟  هل جُنت.. لم تكن ترتدي أشياءً كهذه من قبل..؟!
عاد يلتفت إلى ناردين فأشاحت بوجهها عنه سريعًا وتظاهرت بتفقد محتويات غرفة مكتبه.. تنحنح قائلًا:
-    جاءت لتريني آخر تجاربنا.. العطر الجديد.. سوف نطرحه في الأسواق قريبًا.. له تأثير رائع.
قالت دون أن تفكر:
-    واضح جدًا.
-    ما هو الواضح جدًا؟
-    تأثيره الرائع.
تراقصت ابتسامة في عينيه وهو يشير لها بالجلوس قائلًا:
-    هل أعجبكِ مكتبي؟
قالت لتغيظه:
-    كان أبي مُحقًا عندما تحدث عن ثرائك. 
-    أهذا كل ما جذب انتباهك.. ثرائي؟!
-    نعم.. وإن كان في النهاية لا يعنيني كثيرًا.
-    أحقًا..؟!
-    ربما كان ما فعلته بنفسي يوم زفافنا خير برهان.
تنهد بصبر نافد وقال ساخطًا:
-    لماذا جئتِ إلى مكتبي؟
-    لم أكن أقصد إزعاجكما بالطبع. 
ابتلع ريقه صامتًا.. فأردفت بلهجة باردة:
-    يمكنكما إكمال ما قطعته أنا فيما بعد.. كما وعدتك أماندا.
-    أخبرتكِ أننا كنا نختبر العطر الجديد. 
صاحت مستنكرة في عصبية لم تستطع التحكم فيها:
-    تختبر العطر الجديد..!
هم أن يعلق ثائرًا ولكنها أردفت بسرعة وهي تجلس متصنعة اللامبالاة:
-    على أية حال.. أنا لم أسألك عما كنتَ تفعله معها.
تأملها مأخوذًا.. في كبرياء يُسحر وضعت ساقًا رشيقة فوق الأخرى.. كملكة فرعونية أبًا عن جد.. رفعت رأسها في شموخ وراحت تداعب تاجها لتعيد خصلاته المتمردة إلى مملكتها من جديد.. هذا بالضبط ما ظلت تفعله بمخيلته لأعوام فاقت عمره.. 
هل تعلم تأثيرها الطاغي على حواسه جمعاء..؟
هل تتعمد إثارته؟
يومًا ما أخبرته بأنها تحبه.. كان يعلم حينها أنها كاذبة.. وبأنه ليس أكثر من نزوة عابرة ستلفظها سريعًا.. ولكنه رغم هذا يتمنى الآن أن تفعلها من جديد.. ليتها تُعيد نزوتها وتكرر على مسامعه ولو كذبًا بأنها تحبه..! 
ضاقت عيناه في سعادة عندما امتدت أناملها الرقيقة لتمسك بزجاجة العطر التي تركتها أماندا فوق مكتبه.. 
همس في لهفة:
-    جربيها.
رفعت عينيها إليه لحظات فتلاشى منهما التذمر وحولتهما إلى القارورة مجددًا.. تصاعدت أنفاسه مع تصاعد الغطاء الذي رفعته متأنية.. وضعت القليل من العطر فوق ظهر يدها وراحت تستنشقه.. اتسعت ابتسامته عندما أغمضت عينيها في نشوة أيقن منها تأثرها وإعجابها بإحساسه.. 
لماذا لم تجربه كما جربته أماندا..؟!  
ليتها فعلت.. عطره فوق بشرتها سيكون مختلفًا أكيد.. كيف لا وهي أصله ومنبعه.. هي الفكرة والإحساس معًا.. انتفضت وفتحت عينيها على اتساعهما عندما أمسك بيدها ليقربها من أنفه في هوس لم تستطع أن تفعل حياله شيئًا فاستسلمت طوعًا قبل أن تستيقظ أخيرًا وتسحب يدها في عنف وليد خوف من انهيار وشيك.
غمغم في ارتباك:
-    ما رأيك؟
-    لا بأس به .
هتف مستنكرًا:
-    أهذا هو كل ما أمكنكِ الجود به؟!
نهضت صامتة وهمت بمغادرة مكتبه ولكنه استوقفها معترضًا:
-    إلى أين تظنين أنك ذاهبة الآن؟  فأنتِ حتى لم تخبريني بعد لماذا أتيتِ.
مطت شفتيها في حركة مسرحية قائلة: 
-    لا تشغل بالكَ بي.. تكفيكَ همومك.
أمسك بذراعها في خشونة قائلًا:
-    انتظري هنا.. كفى مراوغة واخبريني بما أتيتِ من أجله.
صمتت قليلًا لتفكر في كذبة مقبولة تقنعه.. كيف سيمكنها التحدث عن العشق والغرام  بعد ذلك المشهد المستفز الذي رأته فيه مع أماندا..؟  هل عاد يحن إلى تلك الوقحة من جديد..؟
رفعت رأسها قائلة:
-    كنتُ في حاجة لبعض النقود لشراء ثوب راق لي.. ولكن ذلك لم يعد يهمني الآن.
أخرج حافظة نقوده قائلًا:
-    أخبرتك أن لا شيء حدث بيني وبين أماندا.. فلا تضخمي الأمور.. كم تريدين لشراء ذلك الثوب؟
وضع النقود في حقيبتها إكراهًا عندما رفضت أخذها منه.. تطلعت إليه والتوت شفتاها في مشهد كاد معه أن يقبلها عنوة.. ابتلع ريقه وابتسم قائلًا:
-    انتظريني قليلًا.. سوف أنهي بعض الأوراق العاجلة وآتي معكِ لشراء ما تريدين.
أشاحت بوجهها كيلا يلمح سعادتها قائلة:
-    لا أريد أن أعطلك عن عملك.
-    اجلسي إذًا وكُفي عن مجادلتي.
جلست تجاهد للتحكم في انفعالاتها وهي تتأمله خلسة خوفًا من أن يقرأ عشقها الفاضح فوق ملامحها.. غرق بين أوراقه متناسيًا وجودها على بعد خطوة منه.. يصبح دائمًا هكذا عندما يتعلق الأمر بالعمل.. تمامًا كما كان يهتم بدراسته قديمًا.. كيف صدقت بأنه قد يتغير من أجلها؟!
لو كانت صفحة ممزقة في كتاب مهترئ لحاول جمع أجزائها ولصقها في عناية لن تنالها منه مادامت تنتمى للبشر..!
قاومت رغبة مجنونة في النهوض عن كرسيها للنظر في أوراقه التي سلبت اهتمامه.. كنوزه التي تأخذه منها فلم يعد قادرًا على رفع رأسه لينظر إليها..!
آهٍ لو تدري أن أنفاسها جسدتها فوق أوراقه.. كل الأوراق تشابهت في عينيه.. كلها تحمل صورتها.. لا فائدة.. لن ينجز شيئًا مهما جاهد ليفعل.
تظاهر بالتمعن أكثر فيما يقرأه حتى لا تلحظ تأثيرها الظالم على حواسه أجمع.. على الأقل عليه أن ينتظر دقائق قليلة يتظاهر بعدها بأنه أنهى ما أقدم عليه.. ليس جيدًا أن ينهض الآن وهو بالكاد قد بدأ. 
سوف تسخر منه.
في حركة لا إرادية ضغط على الزر أمامه فظهرت أماندا بسرعة البرق وكأنها كانت تنتظر إشارته ملتصقة بباب غرفة مكتبه.. لم يكن قد فكر بعد في شيء مُقنع يخبرها بأنه يريدها من أجله.. كل ما في الأمر هو أنه لم يعد قادرًا على الصمود وقتًا أطول. 
جمع أوراقه بسرعة وأعادها للملف قبل أن يقدمه إليها متحاشيًا النظر في عينيها حتى لا يزداد ارتباكًا.. تصنع الجدية قائلًا:
-    أماندا من فضلك راجعي هذا الملف جيدًا. 
-    لقد راجعته بالفعل. 
-    هل يمكنك أن تفعلي ذلك مرة أخرى لأجلي؟
همست بنبرة الدلال التي أصابتها مؤخرًا:
-    لأجلك سوف أفعل أي شيء.
ابتسم في عصبية وهو يلقي نظرة سريعة على ناردين.. نظراتها الشرسة إلى أماندا أسعدته بقدر ما زادته ارتباكًا.. عاد يهتف في عصبية:
-    شكرًا لكِ أماندا.. هيا بنا ناردين.
نهضت ناردين على عجل بينما تعلقت أماندا بذراعه معترضة:
-    أين ستذهب؟
لسعتها نظرات ناردين النارية ولكنها أردفت في تحدٍ:
-    تبقّى أكثر من ساعتين على موعد الانصراف.
-    عُذرًا أماندا.. جدت بعض الأمور وينبغي أن أذهب الآن. 
هتفت ناردين في ثورة لم تستطع التحكم فيها:
-    آسر.. أنتَ مُدير هذه الشركة على ما أتذكر.
تطلعت إليها أماندا ساخطة فبادلتها ناردين بنظرات أكثر سخطًا حتى جذبها آسر من ذراعها ليغادرا المكتب بلا تعليق قد يزيد الأجواء بينهما اشتعالًا. 
في السيارة استمرت تضغط أصابعها في توتر منتظرة أن يبدأ حديثًا معها حتى تنفجر في وجهه ولكنه لم يفعل.. وكأنه يتعمد بث المزيد من الثورة في عروقها الملتهبة..!
أخيرًا سألها في نبرة هادئة زادتها استفزازًا:
-    أين رأيتِ ذلك الثوب؟
قالت وكأنها لم تسمعه:
-    كيف تسمح لها أن تحقق معكَ بهذه الطريقة؟
تجاهل عبارتها بدوره ولم يعلق فأردفت في عصبية:
-    أتحدث عن أماندا إن كنتَ لا تفهم. 
قال في لامبالاة:
-    وكيف كنتِ تريدينني أن أتحدث معها؟
-    كان عليكَ أن تكون أكثر قسوة وحزمًا.. أم أنكَ لا تتقن الاستبداد إلا معي؟!
-    الصداقة التي تجمعني بـ أماندا منذ أتيتَ إلى هنا تحتم عليَ أن أكون أكثر لطفًا معها.. يكفي أنني جرحتها من قبل. 
-    منذ متى وأنتَ تمتلك قلبًا مُرهفًا..؟!
-    منذ زمن.. ولكنكِ كنتِ مشغولة بالموسيقى وعازفها فلم تنتبهي لقلبي.
اتسعت عيناها مستنكرة قبل أن تشيح بنظرها عنه ساخطة.. لا تدري كيف حول نفسه من جانٍ إلى ضحية فجأة.. كمحامٍ بارع وضعها في قفص الاتهام بديلًا له.. وكأنها لم تره هائمًا بين ذراعي سكرتيرته منذ قليل..! 
تمتمت ساخطة فاستدار إليها في نظرة خاطفة تحمل سخطًا أعظم من ذاك الذي تحمله حواسها مجتمعة.. ما الذي تريده منه هذه الطائشة المجنونة أكثر مما فعلته به..؟!
مادامت تعشق غيره.. أم أنها ستعود وتخبره بأنها أصبحت تعشقه هو الآن؟
شعر بالحنق لأنه تمنى ذلك منذ دقائق معدودة.. بل لكونه لازال يتمناه حتى هذه اللحظة..!
هتف بصوت مرتفع هربًا من أفكاره:
-    لم تجيبيني بعد.. أين رأيتِ الثوب الذي راق لكِ؟
التفتت إليه في شراسة ولكنها لم تجب فازداد غضبًا.. فتح فمه ربما ليوبخها لولا أسرعت تقول:
-    لم أعد أدري.. كل نوافذ العرض متشابهة.
تأملها في ضيق وعادت عيناه تحملان لها سبًّا صامتًا.. عجبًا لكونه لا يبادلها سعادتها لقربه منها.. من المفترض أنه يعشقها قبل أن تعشقه.. فهو حتى لم يرق لحالها كما لأماندا..!
تنبهت عندما توقف بجوار نافذة عرض كبيرة لملابس السهرة قائلًا:
-    هيا.. انزلي من السيارة.
قالت في تمرد:
-    هذا ليس المكان الذي أردته. 
-    لا بأس مادمتِ لا تتذكرين أين رأيتِ ثوبك المزعج ذاك.
-    ثوبي المزعج..!
اتسعت عيناه في حدة وكاد أن يصرخ فيها أمام المارة استنكارًا وغضبًا فأسرعت تدخل المحل لتختفي من ثورته. 
برقت عيناها في إعجاب وهي تتطلع للثوب الذي أمسكه واقترب به منها.. ولكنها تصنعت اللامبالاة عندما قدمه لها قائلًا:
-    جربيه.
أرادت أن تعترض ولكنها في النهاية وجدت نفسها لا تملك إلا طاعته.. فانزوت لتلك الغرفة الصغيرة دقائق معدودة قبل أن تعود إليه وقد ارتدته.. بدا راضيًا وهو يتأملها مبتسمًا.. ربما كان مُعجبًا باختياره للثوب أكثر من إعجابه بها..!
قال في نبرة هادئة زادتها ضيقًا:
-    سيكون مُناسبًا جدًا لسهرة الغد.
-    عن أية سهرة تتحدث؟
-    عشاء عمل مع عميل مهم قرر أن يستورد عطري الجديد ليطرحه في الأسواق الفرنسية. 
-    صفقة أخرى من صفقاتك العزيزة.
هز رأسه مبتسمًا فأردفت في تمرد:
-    خذ معكَ أماندا إذًا.
تطلع إليها مستنكرًا فتابعت في مزيد من التمرد:
-    أليست هي وكيلة أعمالك وصديقتك المخلصة التي تتحملك دائمًا.. والتي تخشى عليها من قسوتك كيلا تجرحها..! 
ابتسم في هدوء قائلًا:
-    الرجل شرقي ملتزم وسوف يأتي بصحبة زوجته.
-    لهذا فقط أردتني معك..!
-    ألم تشتكي مِرارًا من ملازمتك للمنزل كالسجناء؟!
-    أريد نزهة خاصة بي وليس بصفقاتك.
-    أنا لا أشعر بالفرق.
-    أنتَ لا تشعر من الأصل.
ضاقت عيناه وهو يهمس باسمها محذرًا.. ابتعدت عنه وتظاهرت بالنظر إلى المزيد من أثواب السهرة قبل أن تختار أغلاها ثمنًا قائلة: 
-    سوف آخذ هذا الثوب إذًا.
قال في نبرة لا تخلو من السخرية:
-    كونه الأغلى ثمنًا لا يجعله الأجمل.
كانت تعلم أنه محق ولكنها رغم هذا صاحت في عناد:
-    ولكنه يروق لي.
***
في المساء وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها في الثوب الذي اختاره لها وأصر على شرائه.. انسدل ناعمًا فوق جسدها ليُظهر رشاقتها وقوامها الممشوق.. خيوطه الذهبية الباررزة جعلتها تضوي بريقًا.. ستكون كالنجمة بين ذراعيه إذا ما قرر أن يراقصها.. 
نزعته عنها فجأة في وحشية.. كلا.. لن تتركه ينتصر عليها في كل معاركها حتى الكلامية منها.. سوف ترتدي الثوب الآخر حتى ولو كان لا يروق له..  
بل سوف ترتديه لأنه لا يروق له. 
وجدت نفسها باهتة حتى عندما ضاعفت مساحيقها لتبدو أكثر تألقًا.. يكفي أنه لم يعجبه لتنبذه هي أيضًا. 
تبددت كآبتها ما إن رأته ينتظرها في الطابق الأرضي.. كان رائعًا ببدلته الداكنة وقميصه الناصع الذي عكس ضوءه على ذقنه الحليق.. ربطة عنقه عقدها بعناية.. كم تتمنى أن تعقدها له بيديها قريبًا..!
ازداد وسامة عندما ابتسم وهو يتطلع إليها قائلًا:
-    رائعة .. هيا بنا.
تسارعت نبضاتها وهو يمسك بكفها ليجعلها تتأبط ذراعه ما إن ترجلا من السيارة.. ليته لم يكن يتقن هذا حفاظًا على مظهره ليس أكثر.. 
يبدو أنه يريد زواجًا طبيعيًا أمام عميله الملتزم وزوجته. 
الزهو الذي يتحدث به عن إبداعه الجديد انتقل إليها فاتسعت ابتسامتها وهي تتطلع إليه في إعجاب.. قطبت حاجبيها في صدمة وتوقفت أنفاسها لحظات لفرط سعادتها.. علمت للتو فقط أنه أطلق اسمها على نبع فخره واعتزازه.. الآن أدركت سر النظرات الحاسدة التي ترمقها بها المرأة منذ جلوسهما حول ذات الطاولة.
ازدادت زهوًا عندما قبِل السيد سراج بالسعر الذي عرضه عليه آسر من دون تردد.. لا شك في كون إبداعه يستحق.. سوف يزوره غدًا في الشركة ليتمما الاتفاق ويوقعا العقود النهائية. 
طلبها للرقص أخيرًا فنهضت متحمسة.. في قلبها أمنية بألا تنتهي هذه السهرة أبدًا 
رمقها بنظرة سحرتها عندما أحاطت عنقه بذراعيها.. اتسعت ابتسامتها بينما همس في افتتان:
-    تبدين سعيدة.
-    لماذا أطلقت اسمي على عطركَ الجديد..؟
برقت عيناها وهي تتفحص قسماته التي اضطربت وهو يحاول دفع عشقها عنه كمن يدفع عن نفسه معصية لا غفران لها: 
-    مجاملة لا أكثر.
-    مجاملة..!
-    نعم.
-    مجاملة أم عشق؟
-    عشق..!  
اتسعت ابتسامتها وهي تستمع إلى عينيه في شغف.. إن كان لسانه يجيد الكذب بجدارة.. فعيناه تناقضه صِدقًا.. أشاح بوجهه بعيدًا عن عينيها اللتين تغوصان في أعماقه لتكشفا خباياها عنوة.. عاد يقول مراوغًا:
-    اعتبريها هدية زواج لم أتوقع له هذه النهاية المأساوية. 
-    عن أية نهاية ماساوية تتحدث..؟!  أنا شخصيًا سعيدة جدًا.
تطلع إليها في شك فأردفت في خبث:
-    على الأقل بسبب هذا الفستان الرائع الذي أنفقت في ثمنه ثروة لا بأس بها.
-    يبدو أن ثرائي بدأ يروقكِ. 
تجاهلت تهكمه قائلة:
-    ولمَ لا..؟ النساء يعشقن الثراء عادة. 
ظل يتعمق بملامحها صامتًا وما لبث أن قال فجأة:
-    هل يمكنكِ الاستمرار معي من أجل ثرائي؟
قالت بلا تردد:
-    نعم.
لم تكن تفكر إلا في البقاء قربه غير مبالية بالأسباب التي ستجمعهما معًا.. لكنه عاد يسألها في فضول:
-    حتى ولو كان الثمن هو حرمانك من ذلك العازف؟
أغمضت عينيها وعضت على شفتيها في توتر.. مازال عشقها القديم لـ رامز يؤرقه.. ما الذي عليها أن تفعله لتنزع فعلتها الطائشة التي تأصلت فى عقله وقلبه.. بحثت في مخيلتها عن كلمات تقنعه بأنه أصبح همها الوحيد وما عاد لها هم سواه.. 
لا رامز أصبح يعنيها.. ولا ثروته التي يظنها تطمح إليها.. ولا حتى الموسيقى التي لطالما عشقتها باتت تعني لها شيئًا. 
لكنه لم يفهم صمتها وحيرتها.. فسرهما حسب هواه فتنهد ألمًا وقرر فجأة أن ينهي الرقصة قبل أن تنتهي. 
تذمرت ساخطة وهو يسحبها في عنف إلى الطاولة.. لم يخفف من وطأة قبضته حول معصمها المتألم سوى النظرات المستنكرة التي طلت من عيون ضيفيه.. تصنع ابتسامة لم تقنع أحدًا وهو يسحب كرسيًا ويجلسها فوقه في لياقة لم تعد له.

انتظروا تكملة الرواية أحبائي,


رابط الحلقة التاسعة 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/621767.html
رابط الحلقة العاشرة
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/622470.html
رابط الحلقة الحادية عشر
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/626387.html
رابط الحلقة الثانية عشر 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/632281.html
رابط الحلقة الثالثة عشر 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/632880.html


No



يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل