رواية بين العطر والنغم (16) 

كتبت أماني عطاالله

الحلقة السادسة عشر من أحداث رواية بين العطر والنغم للكاتبة أماني عطاالله، التي لاقت ترحيبا واقبالا بين زوار معرض الكتاب الدولي للكتاب 2020، إليكم الأحداث...


غمرها بهداياه كل ليلة تمعنًا في إثبات سطوته عليها.. كان سعيدًا باستسلامها فوق مذبح عشقه راضية.. إن كان لم يعلم بعد بأنها تفعل كل ما تفعله رغبة في إقناعه بعشقها له ليس إلا.. فهل يعلم أن عطوره الثمينة باتت تحبس أنفاسها وتخنقها..؟ 
وأن عقد اللؤلؤ وخاتم الألماس وسواره الذهبى الذى أهداه لها منذ ساعات قليلة جميعها أطواق وأصفاد تغريها للهرب لا للتقرب منه.. كلها قيود وقضبان تزيدها سجنًا في محراب باتت تكرهه. 
هداياه تؤلمها بدلًا من أن تسعدها.
انهارت باكية بين ذراعيه فاستيقظ من نشوته بها.. أبعدها قليلًا عنه وراح يتطلع إليها في صدمة متسائلًا:
-    ناردين.. ماذا حدث؟
زادها سؤاله نحيبًا.. جهله يحرقها.. كيف لم يستوعب مشاعرها بعد؟!  كيف لم يستشعر مصابها به إن كان صادقًا في حبه لها..؟  إلى هذا الحد فشلت في بثه مشاعرها.. أم أنه هو من فقد إحساسه..؟
استمرت تنتحب في حرقة ولم تجبه حتى استشاط غضبًا.. فعاد يسألها عابسًا:
-    هل أذيتكِ لهذا الحد؟
-    نعم.
تلعثم لسانه من إجابتها التي لم يتوقعها.. فهو رغم غضبه منها لا يملك إلا أن يكون رقيقًا معها.. تطلع إليها طويلًا قبل أن يبتعد عنها مرغمًا.. 
ملأ صدره بالهواء وعاد يزفره في جنون.. ألقى نفسه فوق كرسي على بعد خطوات منها وراح يمسح شعره في عنف تفوقه أفكاره.. هاهي نزوتها نحوه قد خبت أسرع مما تخيل.. بالكاد أيام معدودة.. ولكنها كانت كافية لها لتنبذه وثروته معه.. 
أما هو لحماقته فقد ازداد تورطًا في عشقها..!
عندما استدار إليها بعد وقت طويل كانت لاتزال ساكنة بلا حراك.. قال في نبرة هادئة كالموت:
-    لا أدري كيف أرضيكِ..!
نهضت في بطء واقتربت منه.. وقفت تتطلع إلى وجهه المُعذب عشقًا وبرقت عيناها حنينًا إليه قبل أن تتجرأ وتجلس فوق ركبتيه.. فتحت فمها مِرارًا في محاولات يائسة لبثه أشواقًا لم يشعر بها فكيف سيصدقها من شفتيها..؟  
أخيرًا ألقت رأسها فوق صدره وراحت تنتحب من جديد. 
أطلق تنهيدة زلزلتها قبل أن يضمها بقوة حتى توقفت عن البكاء.. رفع وجهها إليه وراح يداعب وجنتيها بأصابعه ليجفف دموعها التي كستهما إحباطًا.. ابتسم في حنان ممزوج مرارة وهو يهمس:
-    وماذا بعد؟ 
عضت شفتيها وتطلعت إليه هائمة.. توردت وجنتاها حتى قبلها رغم أنفه.. لم يعد يمتلك حتى سلطة الغضب منها فما بالك بالغضب عليها..! 
ازدادت التصاقًا به ولكنه لم يفهم ولم يشعر.. إن كان بلا عقل ولا قلب أيضًا.. فليحيا بقلبها الذي أسره وعقلها الذي سلبه عنوة دون أن ينذرها.
قال في حيرة:
-    عرفت أن الألماس لم يعد يغريك بي.. فما الذي يمكنني أن أقدمه لكِ الآن؟
تنهدت وهي تحدق في عينيه:
-    أريدكَ أنتَ.. لا أريد سواك.
برقت عيناه سعادة واستنكارًا.. فأردفت لعله يدرك عمق إحساسها به:
-    أحبك يا آسر.. كيف لم تشعر بذلك بعد؟
ابتلع ريقه في صعوبة دون أن يرفع عينيه عن قسماتها.. تبدو جادة ولكنه لم يصدقها.. لا يجرؤ على أن يصدقها.. وكيف يغامر..؟  
سوف يتحول عذابه إلى جحيم لن يحتمله إن فعل.. ماذا لو تابت عن حبه فجأة؟ 
ماذا لو قررت نسيانه بالسرعة ذاتها التي أحبته بها كما تزعم؟
سيبقى الشك ليأكله ويأكلها معه.
همس في عدم تصديق:
-    تحبينني أنا؟!
-    نعم.
-    وماذا عن ذلك العازف؟
-    لم يعد يعنيني. 
ابتسم ساخرًا فأردفت ثائرة:
-    لماذا لا تريد أن تصدقني؟
-    لأن ما تقولينه أصعب من أن أصدقه.
هزت رأسها في قلة حيلة وكادت أن تبكي من جديد فأسرع يقول:
-    حسنًا.. حسنًا.. لا بأس.. فقط اخبريني بالمطلوب مني وسوف أفعله.. ولكن بالله لا تبكي.
ابتسمت من بين دموعها هامسة:
-    لو كنتُ أعلم بأنكَ تحبني كل هذا الحب لـ.........
قاطعها في محاولة للحفاظ على بقايا كبريائه الجريح:
-    ومن قال بأنني أحبك؟
اتسعت ابتسامتها فأردف في عصبية:
-    صدقت إذًا فادي وماريا فيما حكياه عن عشقي لكِ.. رغم أنني أخبرتك مرارًا بأنه ثرثار.. وزوجته أيضًا أكثر ثرثرة منه.
برقت عيناها في شقاوة قائلة:
-    وماذا عن دفتري.. أهو أيضًا يكذب؟
-    أي دفتر؟
عضت على شفتيها وأحنت رأسها في شيء من الخجل.. قطب حاجبيه ورفع ذقنها لتواجهه.. ظل يُحدق في عينيها متسائلًا.. فأردفت في مزيد من الخجل:
-    أنسيتَ أنني دخلتُ غرفتك؟
-    تقصدين تلصصتِ إلى غرفتي. 
رمقته صامتة فأردف في فضول:
-    إلى أي مدى عبثتِ بها؟
أزاحت أصابعه عن ذقنها بلطف لتتمكن من إبعاد وجهها عنه مجددًا.. هتف مستنكرًا:
-    لا تقولي بأنكَ فتحت الأدراج أيضًا..؟!
استدارت إليه فجأة وهتفت في تمرد:
-    نعم.. فتحتُ الأدراج ووجدت فيها أشياءً تخصني. 
ضاقت عيناه غضبًا ولكنها تابعت غير مبالية:
-    قرأت أيضًا خطاب والدي الذي أوهمته كذبًا بأنكَ لم تطلقني حتى الآن بسبب انشغالك بالعمل. 
هتف في ارتباك:
-    أنا حقًا مشغول بالعمل.. سوف أطلقك بمجرد أن أنتهي منه. 
قرأ فى عينيها أنها لم تصدقه فأردف في انفعال: 
-    يجب أيضًا أن أتأكد أولًا من أن صحة والدك قد تحسنت بالفعل.. فأنا لن أحتمل الحياة بضمير معذب.
-    ولن تحتمل الحياة بقلب معذب. 
تطلع إليها مستنكرًا فتابعت:
-    آسر.. كفاك عنادًا.. أنا أعلم أنكَ تحبني.. وأنا أيضًا أحبك.
-    لا تتحدثي عن الحب.. منذ شهور قليلة فضلتِ الموت على الحياة معي.
-    امنحني فرصة وسأثبت لكَ كم أصبحتُ أحبكَ الآن.
نظر إليها محبطًا فقبلت جبهته كطفلة قائلة:
-    ما رأيكَ في الذهاب لذلك الكوخ الذي استأجره فادي لـ ماريا لقضاء شهر العسل..؟ دعنا نذهب إلى هناك.. استأجره من أجلي كما فعل فادي من أجل ماريا وحينها ستعلم كم أحبك.
تأملها متفحصًا.. هل هي حقًا تهتم لقضاء الوقت معه أم أنها نزوة جديدة لتقليد ماريا وفادي..؟  
عادت تلح في دلال لم يستطع مقاومته:
-    قُل بأنكَ ستفعل. 
هز رأسه مستسلمًا فقفزت من فوق ركبتيه فرحًا قبل أن تعود لتحتضنه من جديد وتقبل شفتيه في عشق تمنى أن يكون حقيقيًا. 
أو ليمنحه الله وقتًا أطول...
همست:
-    هل أحزم حقائبي؟
-    ليس بهذه السرعة.
-    وما الذي يعطلنا؟
-    الأمر يحتاج إلى ترتيبات مسبقة.
زمت شفتيها وهتفت ساخطة:
-    تحتاج الأذن من أماندا أولًا.
تجاهل غضبها الطفولي قائلًا:
-    بالطبع أماندا يجب أن تعرف قبل سفرنا بفترة كافية لترتب نفسها هي أيضًا
-    وكأنها ستأتي معنا ..!
ابتسم وهز رأسه قائلًا:
-    بل ستتولى مشاكل المكتب ومسئوليته كاملة خلال فترة عدم وجودي.
تأملته في شك قبل أن تلين ملامحها وتحيط عنقه قائلة:
-    أعدكَ بأن أجعله أجمل شهر في حياتك.
-    شهر..!
-    شهر عسل.
ابتلع ريقه قائلًا:
-    ناردين.. سيكون من الصعب أن أتغيب عن شركتي شهرًا كاملًا. 
-    لماذا.. ألا تثق في قدرات أماندا؟ 
ابتسم قائلًا:
-    عقدت صفقات كثيرة مؤخرًا ويفضل أن أتابعها بنفسي.
-    هذا يزيد من عمولتي إذًا.
كانت تمزح لا أكثر ولكن نظراته المستنكرة أخبرتها بأنه أساء فهمها للمرة الألف فأسرعت تقول:
-    عاملني كصفقة من صفقاتك وزدني اهتمامًا وعشقًا.
***
تحرر من سنوات تكومت فوق كاهله وعاد مُراهقًا يراقصها تحت المطر.. حياة خبأها طويلًا وعمر لم يعشه.. سنوات كنَّزها أملًا  ليطرحها الآن طوعًا بين يديها.. وكأنه أدخرها كلها من أجلها. 
صوته المغرد.. نظراته المتيمة.. أنفاسه الملتهبة عشقًا.. كلها نغمات عذبة تسللت منه إلى أعماقها الظمأى إليه.. سيمفونية عزفتها كل الآلات التي تعرفها وآلات لم تخلق بعد ولن تخلق أبدًا.. منحتها سعادة لا يُعكرها إلا شهقات الناي الحزين التي تتخللها من حين لآخر. 
كانت على يقين بأنها تملكه كيقينها بأن شكه بعد لم يتركه ...
لطالما تعجبت لصوته الذي كان يرتفع فجأة بلا مبرر.. أفزعها مِرارًا قبل أن يقبّلها مُعتذرًا.. لم تدرِ بأنه كان يتعمد أن يوقظها علها غافلة عن مرافقها. 
أواثقة هي مِن كونه مَن يجاورها..؟  
أسعيدة حقًا بصحبته أم فقط لكونه يوفر لها مُتعًا لا يستطيع أن يقدمها لها عازفها المتشرد بين الميادين وقاعات الفنادق..؟
ماذا لو ظهر أمامها الآن بغيتاره وموسيقاه التي أدمنتها حتى الموت..؟
هل ستبقى معه حينها أم ستقرر هجره غير آسفة عليه..؟
رفع رأسه إلى السماء.. أغمض عينيه في ألم وعبأ صدره برائحة المطر.. أنفاسها الحارة تكثفت فوق وجنته وهي تلثمها كطفلة تشكر والدها امتنانًا لعطاياه الكثيرة لها.. تمعن فيها وتصنع سعادة أبعد ما تكون عن أعماقه.. ضمها إليه في تملك.. ضغطها بصدره حتى تأوهت سعادة ثم ألمًا قبل أن تجاهد لتزيحه عنها.. تعلقت عيناها بوجهه في هلع.. أنفاسها التي تلتقطها بصعوبة ووجها الأحمر المائل للزرقة أخبراه كم كان عنيفًا معها. 
ابتسم مُعتذرًا قبل أن يتركها في منتصف الطريق ويذهب عدوًا إلى حيث ركن سيارته على بعد عشرات الأمتار منها.. تسمرت بالأرض مصدومة حتى توقف أمامها بالسيارة وفتح بابها لتجلس بجواره.. استغرقت وقتًا حتى استوعبت الأمر ونفذته. 
بقيت صامتة.. هو أيضًا لم يقل شيئًا ليقطع الصمت والتوتر بينهما.. كيف سيبرر جنونه الذي قاده عشقه القاتل لها؟!
خمسة عشر يومًا في الجنة معًا.. قرر بعدها أن يشتري الكوخ من مالكه العجوز.. أنفاسها التي عبأت حجراته.. ضحكاتها التي صدحت بين أركانه.. خطواتها التي رقصت فوق أرضيته ودرجاته.. كلها كنوز كانت أغلى من أن يتركها لغيره.
استسلمت لرغبته في إنهاء عطلتهما على وعد بالعودة في أقرب فرصة.. كوخ الحب أصبح الآن لها.. اشتراه لأنها أُغرمت به.. أجمل ما في هداياه.. تلك البصمة التي يتركها وهو يقدمها لها.
***
-    آسر.. ألم يحن الوقت بعد..؟
تنبه من شروده وتطلع إلى أماندا في تساؤل.. فأردفت في إشفاق:
-    عليكَ أن تتحرر منها.. من المُحال أن تحيا هكذا للأبد.
-    ماذا تقصدين؟
-    ناردين لا تستحقك.. هي فقط تتسلى بما تقدمه لها.. منذ متى كنتَ تسمح للآخرين باللهو بك؟
حاول أن يعترض ولكنه في الأخير أحنى رأسه مُستسلمًا.. ربما لأن كلماتها كانت صدى لأعماقه الهادرة.. فهي تكرر على مسامعه ما يريد أن يسمعه ولا يمنعه من سماعه إلا رحمة بحاله من بعدها. 
كان يثق كثيرًا في عقل أماندا بغض النظر عن حماقتها مؤخرًا.. لحدٍ يتغاضى معه عن غيرتها وعدائها المزمن لـ ناردين منذ علمت برغبته في الزواج منها. 
إن كانت أماندا تجزم بأنها لا تحبه لشخصه فهي صادقة.. يومًا ما سوف تزهد ماله أيضًا. 
ربتت على كتفه في لوعة زادته حسرة وعذابًا.. أزاح كفها في لطف ونهض ليغادر مكتبه صامتًا.. تابعته بعينيها دون أن تعترض.. من الذكاء أن تعلم متى تتوقف عن المجادلة. 
قاد سيارته بلا وعي حتى توقف أمام أحد المقاهي في شارع لا يعرفه.. ركن سيارته جانبًا وترجل منها.. دخل المقهى كالمسحور متغاضيًا عن تساؤلاته الكثيرة حول المكان الذي وصل إليه في غفلة.. كل ما يحتاجه الآن هو فنجان من القهوة الثقيلة علها تقتل صداعه اللعين. 
جاءه النادل بعد لحظات بما طلب.. ما كاد يرتشف القليل من فنجانه حتى سمع صوتًا يهتف باسمه مُرحبًا فاستدار يتطلع لصاحبه.. عرفه سريعًا.. 
وكيف ينسى وجهًا نظرت له مرتين؟!
إنه ذلك العازف الذي أحيا حفل الاستقبال في منزله منذ شهور.. ذلك الذي منحها الكمان ودعاها لتعزف بجواره.. 
ابتسم الرجل في ترحاب قائلًا:
-    يا لها من فرصة رائعة.. أين دينا هانم؟
رمقه آسر بغيظ.. ها هو الوقح يتجرأ مُجددًا ويناديها باسمها المدلل أمامه بلا حياء.. شعر برغبة في تحطيم فكه ليُخرسه وقتًا كافيًا يتعلم خلاله الحديث بشكل لائق مستقبلًا. 
وكأن رغبته عبرت فوق ملامحه ووصلت خصمه واضحة.. بدا مُتوترًا مُرتبكًا ولكنه رغم هذا ابتسم في انفعال وهو يكمل:
-    عندي مفاجأة سارة جدًا لها.
قطب آسر حاجبيه وهو يستمع له بصبر نافد بينما أردف الأخير:
-    دار الأوبرا قررت أن تُقدم عروضًا للهواة في نهاية كل أسبوع.. مسابقة لتشجيع الموهوبين وتقديمهم للجمهور لإبراز قدراتهم الفنية.. 
ضغط آسر على حروفه قائلًا:
-    وما شأن زوجتي بهذا الأمر؟
-    كيف هذا؟ دينا هانم موهوبة جدًا.. فقط تحتاج لبـ........
قاطعه آسر في عصبية:
-    عندما تتحدث عن زوجتي لا تقل دينا وكأنكَ تعرفها منذ دهر كامل.. تذكر أنكَ بالكاد رأيتها مرة واحدة.. وكانت مُصادفة.
اتسعت عينا الشاب في صدمة وتلعثم لسانه لبرهة.. وما لبث أن ضحك في عصبية قائلًا:
-    عذرًا إن كانت ألفاظي خانتني.. لكنني بالطبع لا أقصد الإساءة مطلقًا.. فأنا لا أكن لـ ديـ...... أقصد ناردين هانم سوى كل الاحترام.. أنا فقط أتعاطف مع موهبتها الفنية لا أكثر.
لانت ملامح آسر قليلًا ولكنه لم يعلق.. فأردف العازف:
-    أعضاء لجنة التحكيم التي ستتولى الإشراف على المسابقة مشهود لهم بالصدق والنزاهة.. والموهبة التي ستثبت قدرتها سوف تنال فرصة حقيقية للظهور أمام العالم أجمع بشكل مشرف.
زفر آسر قائلًا:
-    كم مرة يجب أن أخبرك بأن زوجتي لا تنوي احتراف الموسيقى؟!
-    لا بأس.. يمكنكَ ترشيح موهبة أخرى تحتاج إلى المساعدة.
-    وما شأني أنا بهذا الأمر؟!
-    بصفتك رجل أعمال ناجح.. يمكنكَ أن تدعم ذلك النوع من العروض ببعض من أرباحك.. وبغض النظر عن كون ذلك سيخصم من الضرائب المستحقة عليك سنويًا.. وبغض النظر أيضًا عن الدعاية المجانية التي ستنالها شركتك من جراء هذه العروض.. يكفي فقط كونكَ ستمنح أملًا لعشرات الموهوبين. 
-    لا أدري ما الذي سيعود عليك أنت من إلحاحك هذا ؟
ابتسم العازف الشاب قائلًا:
-    لقد تطوعت للمساعدة في تنظيم الحفل وجمع التبرعات اللازمة له. 
هز آسر رأسه في شيء من الارتياح.. على الأقل أدرك الآن أن اهتمامه لم يكن مُنصبًا على ناردين بصفة خاصة.. كان سخطه أقل عندما تابع الآخر حديثه:
-    أنا أقدر اهتمامك وأشكرك على رغبتك الحقيقية في المساعدة.
-    أنا......
-    يكفي جدًا مجيئك إلى هنا.
تطلع آسر إلى المكان من حوله بنظرة متفحصة.. الآلات الموسيقية بمختلف أنواعها كانت تحيطه من كل جانب تقريبًا.. كانت أكثر من أن تكون للفرقة الموسيقية المسئولة عن هذا المقهى الصغير.. كيف لم تنتبه أذناه لأصواتها العالية التي قاربت الصخب..؟
برغم هذا.. يبدو أن أعماقه قد أستشعرتها وقادته دون وعي إليها. 
أشار العازف الذي يجالسه إلى الشباب المندمج في التمرين وابتسم قائلًا:
-    إسهامك في تلك المسابقة سوف يُدعم موهبتهم ويحثهم على المزيد من الإبداع.. ربما يخرج من بينهم فنانًا عالميًا أيضًا.
أنهى آسر فنجانه وغادر المقهى بخطوات متثاقلة.. أدرك توًا ما الذي جذبه لهذا الشارع وذلك المقهى بطريق الخطأ بدلًا من أن يسلك شارعه إلى منزله.. الموسيقى التي تتحرك مع نبضاتها يبدو أنها أصبحت تحركه هو أيضًا.. روحها هنا.. روحها الـ......
تزامنت أفكاره مع نظراته التي تعلقت بعازف شاب أستند إلى عمود خرسانى ضخم قريب من الملهى وراح يداعب أوتار غيتاره مغمض العينين.. كان يشبهه بذيل الحصان الكريه الذي يتدلى خلف رأسه وأصابعه التي تعرف طريقها فوق آلته.. تمامًا كما تعرف طريقها إلى قلبها وتحكمه رغم طول المسافات بينهما.
ضاقت عيناه وتوقف عن سيره ليستقبل الفكرة التي لمعت في خاطره.. استحسنها غير عابئ بعواقبها. 
يبدو أنه لا مفر..!
***

انتظروا تكملة الرواية أحبائي,


رابط الحلقة الخامسة عشر 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/635579.html





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل