رواية بين العطر والنغم (18 - الأخيرة) 

كتبت أماني عطاالله

الحلقة الثامنة عشر والأخيرة من أحداث رواية بين العطر والنغم للكاتبة أماني عطاالله، التي لاقت ترحيبا واقبالا بين زوار معرض الكتاب الدولي للكتاب 2020، إليكم الأحداث...


المعاناة التي عانتها حتى وصلت إلى منزلها ملأتها نارًا تكفي لصهره حيًا.. ربما استطاعت بعدها أن تُشكله من جديد بقلب أقل قسوة وعقل أقل ارتيابًا.
سرت رجفة في جسدها ما إن فتحت الباب لتغوص في تلك العتمة والسكون المطبق.. إن كان لم يعد إلى المنزل بعد.. فأين تراه قد ذهب؟!
كادت أن تغادر المنزل من جديد لتذهب وتبحث عنه.. ولكنها ما لبثت أن أغلقته في حيرة.. تطاردها أفكاروحشية بالغربة والوحدة.. أوشكت على البكاء يأسًا قبل أن تنتبه للضوء الخافت الذي تسرب من غرفة مكتبه.. التقطت أنفاسها وتحركت في غضب لتواجهه. 
فتحت بابها في شيء من العنف.. كان مُنكبًا فوق مكتبه الخشبي بكامل ملابسه.. كلا.. ربطة عنقه كانت مُلقاة فوق أرضية الغرفة في إهمال ليس من عاداته.. أتراه مريضًا؟!
هدأت ملامحها قليلًا وتبدل غضبها قلقًا ولكنها جاهدت ليخرج صوتها قويًا وهي تساله:
-    أنتَ هنا إذًا؟!
رفع بصره إليها في حِدة قبل أن ينهض مُبتعدًا عن مرمى رؤيتها.. كانت نظرة خاطفة.. أسرع من البرق.. ولكنها كانت كافية لتصهرها وتشكلها كما أرادت أن تفعل هي به منذ قليل.
هل بلغ حبه لها هذا الحد؟
حد البكاء..!
أغمضت عينيها بقوة وصمتت في رهبة لتُضيف مزيدًا من السكون حولهما.. لا يضاهي رغبتها في ضمه إليها ومواساته بكل العشق الذي زرعه في أعماقها إلا رغبتها في تهشيم رأسه العنيد لنزع تلك الخزعبلات الغبية منه. 
وجودها سبب له صدمة.. وكأنه لم يتوقع أن تعود مجددًا.. هذا المعتوه.. اشترى لها رامز أم باعها هي له..؟!
قال أخيرًا بصوت مُختنق دون أن يستدير ليواجهها:
-    عدتِ أسرع مما توقعت. 
-    ومتى كنتَ تتوقع أن أعود مادمتَ وحدي؟
-    وحدك..!
-    وكأنني أعرف هناك أحدًا غيرك..!
تناسى للحظة ضعفه واستدار يتطلع إليها مُتفحصًا قبل أن ينتبه ويشيح بوجهه مبتعدًا من جديد.. ابتلع ريقه قائلًا:
-    وماذا عن ذلك العازف؟
تعلقت عيناها بظهره وابتسمت في حنين ولكنها لم تعلق.. كطفل استدار إليها لحظة هرب بعدها من جديد وهو يهتف في عصبية:
-    عازف الغيتار.. لا تقولي بأنكِ لم تتعرفي عليه. 
-    نعم تعرفتُ عليه.. تحدثتُ معه قليلًا بعد انتهاء العرض.. لماذا لم تخبرني بأنكَ ضمن رُعاة هذه المسابقة؟
استدار هذه المرة وتعلقت عيناه بوجهها طويلًا مُتغاضيًا عن ضعفه وكبريائه.. لم تستطع مقاومة رغبتها أكثر فاقتربت منه وأحاطت عنقه بذراعيها.. تعمقت في عينيه الملتهبة عشقًا وشعرت برغبة في تقبيلهما.. لولا خوفها من إثارة شفقته على نفسه ومضاعفة إحساسه بالمهانة لفعلت.. 
لكنها لابد وأن تفعلها في وقت لاحق.. سوف تُقبِل قسماته كلها.. ليس عشقًا فقط.. بل واعتذارًا عن ذنبها وذنبه في حقها. 
داعبت أرنبة أنفه الذي تخضب احمرارًا.. منذ متى وهو يبكي ندمًا على حماقته..؟ مُجبرة هي على العفو عنه.. يكفيه ما فعله بنفسه عقابًا.
 ابتسمت في حنان لا يخلو من الخبث قائلة:
-    أرسل لكَ معي شُكره وامتنانه لأنكَ منحته هذه الفرصة لإثبات موهبته.
-    وماذا أيضًا؟
-    أخبرني بأنه لن ينسى معروفكَ أبدًا.
تجاهلت الذهول الذي كسى ملامحه وهو يتطلع إليها في ريبة.. طبعت فوق شفتيه قبلة قصيرة تحمل شوقًا واعتذارًا وعتابًا.. لا يبدو من نظراته الشاردة أنه استوعب منها شيئًا.. ربما لشدة انفعاله.. لا بأس.. سوف تلتمس له عُذرًا جديدًا.. 
وكأنها خُلقت لتلتمس له الأعذار بعدد أخطائه التي لا تنتهي.
التوت شفتيها وهي تهتف كطفلة:
-    لماذا تركتني وحدي هناك؟ ماذا كنتَ ستفعل لو ضللتُ طريقي أو خطفتني عصابة ما في مثل هذا الوقت المتأخر؟ كيف كنتَ ستحيا بضمير مُعذب ما تبقى من عمرك؟
-    ناردين.
تطلعت إليه في لهفة فأردف في تلعثم:
-    هل أفهم بأنكِ لم تري ذلك العازف من قبل؟
مطت شفتيها قائلة:
-    لا أظنه مشهورًا.. على الأقل حتى الآن. 
-    لم أقصد ذلك. 
-    وماذا تقصد إذًا؟
ابتلع ريقه وغمغم وكأنه يُحدث نفسه:
-    شرلوك هولمز.. لا شك في كونه أخطأ الرجل المقصود. 
ذهنه المشوش حجب بصيرته فلم يلحظ ابتسامتها الحانية التي طلت من شفتيها ومن عينيها أيضًا. 
غدا سوف يرسل لاستدعاء شرلوك هولمز.. لا شك في كونه أخطأ بسبب تشابه الأسماء بينهما.. خاصة وأن الرجلين يحترفان المهنة ذاتها على ما يبدو.. لن يوبخه وحتى لن يعاتبه.. بل سوف يشكره على خطئه غير المقصود.. ذلك الخطأ الذي أنقذه من حماقته وجشعه.. 
من لحظة كاد فيها أن يقتل نفسه كفرًا ويبعدها عنه. 
كان انتحارًا ما قام به في لحظة شك لم يتحملها. 
حفل تأبين أقامه لنفسه بنفسه. 
ما فعله شرلوك هولمز لم يكن خطأ بشريًا أبدًا.. بل كان مُعجزة منَّ الله عليه بها رفقًا بعذابه ولوعته.. ربما لأنه فعل خيرًا بذلك العازف المسكين.. سوف يزيد من إحسانه مستقبلاً ذبيحة حمدٍ لأجلها.
احتضن وجهها بين راحتيه واستمر يتطلع إليها بشغف وكأنه لم يرها منذ سنين قبل أن يحتضنها في شوق وتنهيدة راحة طويلة قائلًا:
-    اعذريني يا حبيبتي.. أصابني صداع مفاجئ فاضطررت لمغادرة الحفل مبكرًا.. لم أشأ أن أزعجك وأفسد عليكِ متعتك.
ظلت تتطلع إليه فأردف في مزيد من الكذب:
-    كنتُ سأعود لإحضارك حتمًا.. لكنكِ أتيتِ أبكر مما توقعت.
تقبلت كذبته البيضاء في رضا لا يخلو من بعض التمرد.. هل صدق عشقها أخيرًا أم أنه استسلم ضعفًا ورضخ لعشقه مُرغمًا..؟ 
ابعدت وجهها عنه قليلًا وتصنعت القلق قائلة:
-    وهل أنتَ أفضل الآن؟
ابتسم في سعادة:
-    نعم أفضل.. أفضل كثيرًا.. وكأنني عدتُ للحياة بعد موت مؤكد.
بادلته ابتسامته بينما عاد يسألها:
-    ما رأيكِ في موهبة الليلة.. هل أعجبتكِ؟
-    نعم.. رامز موهوب بالفعل.
تجهمت ملامحه من جديد وأبعدها عنه في شك فأردفت وهي تتطلع إليه بعيون تتلألأ عشقًا وعتابًا:
-    يومًا ما سوف يصبح مشهورًا جدًا..وثريًا أيضًا.. ربما أكثر ثراءً منكَ.. أخبرني بأنه مُستعد أن يعيد إليكَ أموالكَ كاملة في أقرب فرصة. 
تعمقت عيناه فوق ملامحها في محاولة لسبر أغوارها.. ما هذه الحميمية التي تتحدث بها حتى وهي تلفظ اسمه..؟ 
لا يبدو مُجرد عازف تراه للمرة الأولى.. شرلوك هولمز لم يخطئ إذًا..!
همس في انفعال لا يخلو من الاتهام:
-    حديثك عنه أقوى من أن أصدق بأنكِ ترينه للمرة الأولى. 
تطلعت إليه في تحدٍ ولم تجبه فأردف في هيستيريا:
-    لمَ لا تقولين صراحة بأنه العازف ذاته الذي عشقته يومًا حتى الموت..؟!
رغبتها في الثأر منه لفيض ظنونه بها تضاءلت امام إحساسها بعذابه ولوعته.. أرادت أن ترحمه من وجعه وتضع حدًا لآلامه.. إن لم يشفق هو على نفسه فعليها أن تفعلها.. إن كان يتحمل موته غيرة كل يوم فهي لم تعد تحتمل.  
همست في صدق:
-    بعد أن رأيته الليلة أستطيع أن أقسم بأنني حملت له المشاعر كلها.. إلا الحب.
-    وتحبينني أنا..!
-    نعم.. أحبكَ أنتَ.
استمر يتأملها في شك حتى صرخت:
-    إن لم تكُف عن شككَ بي سوف أعود إليه غير آسفة. 
تحركت في عصبية لتغادر المنزل بالفعل ولكنه أسرع وأمسك بها قائلًا:
-    أين ستذهبين في مثل هذا الوقت المتأخر؟
-    سألحق بـ رامز.. سأخبره بأنني أحبه.. وسوف يصدقني رغم أنني أخبرته للتو بأنني أحب أحمق آخر.
-    ناردين.. هل حقًا تحبينني أنا..؟!
زفرت في وجهه بصبر نافد.. ابتسم في حيرة وأمسك بكتفيها قائلًا:
-    ولكنكِ رغم هذا تعشقين الموسيقى.. والغيتار..!
حدقت في ملامحه بدهشة قبل أن تهتف ساخطة:
-    وما المشكلة..؟ لا تقل بأنكَ تُغار من الموسيقى..!
هز رأسه قائلًا:
-    أنا لا أُجيد العزف على الغيتار.. ولا الكمان.. ولا أية آلة موسيقية أخرى.
ابتسمت بعصبية قبل أن تعض على شفتيها وتقرص أنفه في عنف قائلة:
-    يكفي أنكَ تُجيد العزف على أوتار قلبي وإحساسي أيها المعتوه.. أنا غيتارك وكمانك.. اعتبرني آلتك وحدك أيها المتحجر عقلًا وقلبًا.
-    ناردين...
هتفت وهي تزيحه في غضب:
-    ماذا أيضًا؟ أتركني أذهب.
-    اعذريني يا حبيبتي.. 
-    إلى متى..؟ كم مرة يجب أن أعذرك..؟!
-    إلى الأبد.
تطلعت إليه مُستنكرة وما لبثت أن استسلمت في سعادة لذراعيه التي ضمتها إليه في فيض من العشق تسرب ليملأ أضلعها ويعبئ الهواء من حولها. 
عاد يهمس وهو يقبل شعرها في شغف:
-    التمسي لي الأعذار طالما قلبي ينبض باسمك ويدق لأجلك.. اقبلى أعذاري بلا ملل ولا جدال.. بلا غضب ولا عتاب.. في الحب اغفري شكي وحماقتي مهما تماديتُ جشعًا.
رفعت وجهها إليه هائمة.. فبرقت عيناه مُردفًا:
-    أحبك جدًا.. وفي حبي أعذاري.

تمت


رابط الحلقة السادسة عشر 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/637389.html
رابط الحلقة السابعة عشر 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/638422.html





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل