عبقرية وسائل التواصل الإجتماعى المرعبة

عندما يظهر الشعب كإرادة تغيير حقيقية فى مسار العملية التاريخية فأن أعدائه فى إنسيابية يحشدوا آلاتهم الإعلامية لصناعة وعى معلب بإستحداث معانى زائفة للأفكار والأطروحات التى لا تتفق مع الواقع الإجتماعى ممزوجة  بمعلومات مضللة مموهة.



ليتم تسويقها للجماهير بواسطة سائسي العقول ، وتكمن عبقرية هذه الآلة الإعلامية المرعبة فى قدرتها على إقناع الناس للتصويت ضد أكثر مصالحهم فائدة ، فيتحول التضليل الإعلامى كما يرى المفكر البرازيلى "باولو فريرى" لأداة قهر تطوع الجماهير لخدمة مصالحهم التخريبية .

 

و بتصفح تاريخ الحروب نجد أن الإعلام كان العامل المسيطر أن لم يكن المطلق فى رسم مسار أحداثها و نتائجها ، فبعد أن كانت الحروب رياضة النبلاء التى تدور رحايها بين جنود محترفين بعيداً عن العمران والكتل السكنية ، أصبحت حروب شاملة يشارك فيها المدنيين و العسكريين ما جعل الروح المعنوية للشعب و إرادة القتال عنده رصيد حربى وعسكرى هام ، و كان عام 1896م عاماً فارقاً فى تاريخ الدعاية حين أصدر اللورد " نورثكليف" جريدة "ديلى ميل " اليومية ، و أكتشف "ماركونى" موجات الراديو ، وقدم "الأخوان لوميير " أول عرض سينمائى خاص فى فرنسا ، بعدها بدأ إستخدام الإعلام على إستحياء فى الحرب الأسبانية الأمريكية عام 1898م ، وزادت وتيرتها فى الحرب العالمية الأولى ، وبالأحرى بعد عام من بدايتها حيث رأى الجنرال البريطانى "ويلسون" أن الإعلام دوره ثانوى و الأهم هو الإستعداد للقتال ، وكانت نتائج الحرب عكس ما توقع الجميع حيث خسرت ألمانيا الحرب دون أن تُهزم فى معركة واحدة ودون أن يغزو أى جيش أراضيها ، وأرجع الألمان أنفسهم سبب هزيمتهم إلى الإعلام الذى قال عنه الجنرال الألمانى "لودورف" ( لقد نومتنا دعاية العدو مغناطيسياً كما تنوم الأفعى الأرنب ) ، وأرجع " فيليب تايلور" فى كتابه قصف العقول سبب هزيمة ألمانيا إلى الإعلام الذى طعن الجيش الألمانى من الظهر على حد قوله ، من هذا نرى أن الجيش القوى الذى لا يستطيع أعدائه مواجهته من الأمام يتم  طعنه من الخلف بخلق الفتن وتفتيت تماسك نسيج جبهته الداخلية عن طريق الدعاية و أذرعها وعلى رأسها وسائل التواصل الإجتماعى التى تفتقد إلى الحد الأدنى من الرقابة المؤسساتية والضميرية .
وبالرجوع إلى سائسي العقول الذين يتم تجنيدهم لبيع وترويج الوعى المعلب من خلال وسائل التواصل الإجتماعى و القنوات مجهولة التمويل معلومة الأهداف تتضح ملامحهم من خلال تعمدهم تكريس نظرة تشاؤمية للوضع القائم وتصويره بالكيان الثابت الذى لا يتحرك ويدعو الناس إلى التكيف مع هذا الوضع بوصفهم متفرجين ، فالنظرة التشاؤمية تكون عزاء لمن يشعرون بالذنب من المتقاعسين عن المشاركة الفعالة ، لعلمهم بأن النظرة التفاؤلية التى لا إفراط فيها تجعل المواطن يعترف بالإنجازات المحققة على أرض الواقع وتمنحه إدراك نواحى ضعفه وطبيعة مشكلاته فيؤمن بتحويل كل ما هو ممكن إلى واقع ، وتناسي هؤلاء أن الشعب المصرى خطى خلف قيادته السياسية بعد سنوات من عدم الإستقرار ، خطوات حاسمة ليس للعدو أمل فى أن يرجع عنها ولاسبيل إلى هذا الرجوع وأن المصريين على إستعداد تام لبذل الجهد و التضحية بالحياة و الأموال فى سبيل المحافظة على هذه الإنجازات و الخطوات التى خطوها و الحقوق التى أكتسبوها ، فمصر بتاريخها وحضارتها وقيادتها وجيشها أكبر من فيديوهاتهم و قنواتهم المضللة .
بقلم - زين ربيع شحاتة:
كاتب وباحث






يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل