في النسخة 31 لـ"ليالي الوصال البودشيشية": التضامن والتعاون بين البشر قيمة إنسانية.والتخلّى عنه خروج عن الفطرة السليمة

أكد المشاركون في النسخة الواحدة والثلاثين لفعاليات "ليالي الوصال"، التي تنظمها مشيخة الطريقة القادرية البودشيشية ومؤسسة الملتقى بتعاون مع مؤسسة الجمال، بمداخلة حول موضوع "قيمة التضامن والتعاون واثرها في مستقبل الامم"، أن التعاون والتعاضد سلوك إنساني يتمثل في تخفيف آلام الناس ومعاناتهم، وتقديم المساعدة للآخرين عند الحاجة، وانه يستمد قواعده من التعاليم الدينية والمواثيق والقوانين الدولية، ومن الشعور الداخلي في كل انسان سوي سليم، وهو قيمة انسانية تضمن استقرار المجتمعات وتقدمها، وأن التضامن مسؤولية تقع على عاتق الافراد والجماعات كل على حسب قدرته وموقعه ودوره، والتخلي عن التضامن هو تخل عن روح الانسانية.

نوَّه د. منير القادري- رئيس مؤسسة الملتقى ومدير المركز الأورومتوسطي لدراسة الاسلام اليوم- بالسياسة الخارجية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله الخاصة بالتعاون جنوب-جنوب، كمحور استراتيجي للديبلوماسية المغربية وآلية هامة من اجل تعزيز الحوار والتضامن وتحقيق اهداف التنمية في دول الجنوب خاصة مع شركاء المملكة في القارة الافريقية. 

كما أشار الى ان "أيام الغفلة والتفرّق قد ولَّت وهذه ايام التحابب والتضامن كما كان آباؤنا وأسلافنا يدا واحدة وقلبا واحدا، بإيماننا القوي ملتفّين حول ملكنا حفظه الله وايده، ومحافظين على مصلحة بلدنا العزيز، فلنكن امام من يريد بنا السوء عقبة كؤودا وطودا شامخا ولنكن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، هنالك تتولد لنا عظمة هائلة وقوة ساحقة تتلاشى امامها الصعاب، وتهون وتنقطع لها قلوب الاعداء رعبا، وتتحطم كل القيود وتبتسم لنا السعادة ويكون النصر حليفنا والتاييد الرباني سندنا، فلنستجب لنداء الله والرسول لتوحيد الصف وجمع الكلمة والعودة الى بعث الاخوة التي لا اصرة اقوى منها ولا رابطة اشرف منها واقدس ولا علاقة انفع وادوم للبشرية واجدى، وما لا يتم الواجب الا به فهو واجب".

 وأكد على أهمية التعاون المغربي- الافريقي بعد مبادرة المغرب سنة 2000 بالغاء ديونه المستحقة على الدول الافريقية الاقل نموا، واعفاء منتوجاتها الواردة الى المغرب من الرسوم الجمركية، مع اعتماد مقاربة تنموية اكثر عدالة تأخذ بعين الاعتبار وضعية الدول الافريقية في إطار شراكة تجعل الانسان في صلب الانشغالات لتحقيق التنمية البشرية، من خلال التركيز على محاربة الفقر، وكذا النهوض بمساهمات المقاولات العمومية والخاصة المغربية في تنمية البلدان الافريقية، لبلوغ نمو اقتصادي مستدام وخلق مناصب الشغل خاصة في قطاعات النقل الجوي والاتصالات والابناك والصناعات الغذائية وفي الميدان الفلاحي. 

كما ذكَّر بفتح المغرب ابواب معاهده وجامعاته امام الاطر الافارقة، الى جانب ارسال بعثات من الاساتذة والاطباء والممرضين والمؤطّرين، للإشراف على دورات تكوينية في عين المكان، لفائدة الاطر الافريقية، اضافة الى الدعم الذي قدمه المغرب لعدد من الدول الافريقية بتعليمات من الملك محمد السادس في ظل جائحة كورونا.

وأشار الى أن ما يدعو "للتفاؤل في مآل البلاد المغربية إبان جائحة كورونا وما بعدها هو خميرة النهوض الكامنة في احشاء جسم الامة، وقلب المجتمع النابض المتقبل لقضاء الله ايمانا واحتسابا، فاعلين مستشرفين للمستقبل، مجندين وراء ملكنا المحبوب صاحب الجلالة الملك محمد السادس في مواقفه النبيلة الانسانية، الذي وحد جميع اطياف المجتمع بقبائله وتياراته وتوجهاته، كتله واحدة امام مصير واحد وقيم انسانية متجذرة في المجتمع المغربي المومن بالله".

وقال د. القادري: "ان نظرة صاحب الجلالة السديدة والمنسجمة والحكيمة تراعي مصلحة الوطن والمصالح والقضايا الاسلامية الانسانية، ونحن يد واحدة في مواجهة اعدائنا وحسادنا ومن تربص بنا الدوائر، من اجل وحدة وطننا ووحدته الترابية".

سلوك إنساني

وبيَّن د. القادري أن التعاون والتعاضد سلوك انساني يتمثل في تخفيف آلام الناس ومعاناتهم، وتقديم المساعدة للآخرين عند الحاجة، موضحا انه يستمد قواعده من التعاليم الدينية والمواثيق والقوانين الدولية، ومن الشعور الداخلي في كل انسان سوي سليم، واضاف انه قيمة انسانية تضمن استقرار المجتمعات وتقدمها.

واعتبر ان التضامن مسؤولية تقع على عاتق الافراد والجماعات كل على حسب قدرته وموقعه ودوره، منبها الى ان التخلي عن التضامن هو تخل عن روح الانسانية، وأوضح ان التضامن يجب ان يكون بين الانسان وأخيه الانسان، لكل من هو بحاجة له، من خارج مجتمعه، بغض النظر عن دينه وعرقه واصله. 

وأبرز ان الاسلام ربط افراد المجتمع برباط قلبي "يوحد بينهم في الاتجاه والهدف ويجعل منهم وحدة قوية متماسكة يأخذ بعضها برقاب بعض، سداها المحبة ولحمتها الصالح العام وهدفها السعادة في الدنيا والاخرة، وهذا الرباط هو رباط الايمان والعقيدة المتصلة بمبدأ الخير والرحمة وهو الله سبحانه وتعالى".

وتابع د. القادري: أن الله تعالى خلق الانسان ضعيفا محتاجا لغيره كي يستمر في حياته، يتعاون ويتضامن مع غيره من اقرانه، وبين انه لا تستوي شؤونهم الدنيوية والدينية الا بتعاونهم فيما بينهم، مستدلا بقول الله تعالى في سورة المائدة ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(  (الآية 2) .

وقام بتوضيح معنى التضامن في اللغة، مبينا انه يعني الالتزام بان نؤدي عن الاخر ما لم يقدر على ادائه، ومنه الضمان الاجتماعي اي ما تقوم به الدولة لمعونة المحتاجين، مضيفا ان التعاون عمل انساني يتشارك فيه مجموعة من الناس وهو بمعنى الاتحاد والتكامل في العمل، ففيه عطاء من جميع اطرافه وذلك بتكميل كل ما هو ناقص على اساس من التراحم والترابط والتلاحم وفعل الخيرات والاهتمام بالآخرين ، مستشهدا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يومن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وقوله "أحب الناس الى الله انفعهم للناس" وقوله كذلك "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع الى جنبه". 

واوضح مفهوم التعاون في الاسلام، واكد انه يشمل جميع الناس دون تمييز بينهم بغض النظر عن معتقداتهم وانتماءاتهم مصداقا لقوله تعالى في سورة الممتحنة (لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ) (الآية 8). 

واضاف ان تعاليم ديننا الحنيف تامرنا بالتضامن والتعاون لكونه فريضة شرعية وضرورة بشرية وسنة كونية، موردا قوله تعالى في سورة آل عمران (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأية 103). 

سُنَّة كونية

كما بيَّن د. القادري، ان التضامن والتعاون فطرة انسانية وسنة كونية، فالناظر في الكون يرى الجميع يتعاون ويتكاثف، وقدم امثلة من عالم الحيوانات والطيور، وذكر ان للنحل نظام في تكوين مملكته وانتاج عسله، وترتيب الأعمال بين افراد خليته، كما ان النمل تبني قراها في تماسكها، مستنتجا ان هذه الامثلة تبين عظيم قدرة الله في الكون ، وأن تعاليم الله تدعو الى الاخوة التي تتجسد في الاتحاد والتضامن والتساند والتكاثف، وتحذر من التفرقة والاختلاف والتعادي، وزاد أن خير قدوة للأنام نبينا العدنان حرص على ترسيخ مبدا التضامن الاجتماعي في الامة، واستدل بقول سيدتنا خديجة ام المؤمنين رضي الله عنها لزوجها رسول الله: "كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق". 

واشار الى ان منهج النبي، الذي زار جاره اليهودي عندما مرض، مبني على التعاون والتآخي والرحمة، موردا حديثا لرسول الله: "من نفَّس عن مومن كُرْبَة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كُرْبَة من كُرَب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عنه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه".

وأكد أن التضامن والتعاون في الاسلام هو قيمة شاملة لكل الجوانب الحياتية، فهو يشمل الجانب الاجتماعي والروحي والمادي والسياسي والثقافي، وأن الاسلام لم يمنع الانسان من النظر في حاجاته المادية ولم يصادر فطرة الانسان بل دعا الى التوازن بين الحاجيات المادية لنفسه وبين المطالب الروحية التي يدعو اليها حسه الايماني،  مبيّنا الحاجة الى  تظافر الجهود في اصلاح المجتمع ودعوة الناس الى الخير، وسرد على سبيل المثال كيفية صنع رغيف الخبز وكم يحتاج من يد تشترك في اخراجه للمحتاجين، من ساعة وضع بذرة القمح في الارض.

وتابع: ان التعاون يثمر المحبة ويزيل المخاوف والتربص الناتج عن التجافي، مما يزيد الروابط الطيبة بين المتعاونين بزيادة التعارف والتفاهم، وتستطيع الامة ان تتبوأ مكانتها في التقدم والازدهار بتعاون كل أطياف شعبها وأمتها، مضيفا ان التعاون والتضامن يقوى الضعفاء، ويزيد الاقوياء قوة على قوتهم، فاللبنة ضعيفة بمفردها مهما تكن متانتها، ولكنها في الجدار قوية لا يسهل تحطيمها، وأورد الحديث النبوي الشريف "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا"، كما استشهد بقوله تعالى في سورة الصف (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) (الآية 4). 

واكد ان التعاون يزيد الانتماء والولاء ويتيح الفرصة لتوظيف الطاقات المختلفة وصهرها في بوتقة واحدة، والخروج منها مجتمعة بنموذج مفيد قوي يعود بالنفع على جميع عناصره، موردا القصة المشهورة التي علمها الاب لأبنائه، اذ لم يستطع اي واحد منهم ان يكسر مجموعة العصي المتضامة على حين امكن بيسر كسر كل منها على حدة. 

 واضاف: ان من ثمرات التضامن والتعاون، التخفيف من اثار الكوارث والازمات وتمتين العلاقات بين الافراد والمجتمعات وبناء مجتمع سليم متضامن متماسك، لمواجهة الفقر والبطالة والمرض، وتحقيق الرخاء والتقدم والازدهار والعمل على زيادة نسبة المعرفة والعلم ،وزيادة العمل التطوعي وافعال الخير والبر في المجتمع.

كما عرفت هذه الأمسية الروحية عرض شريط حول "قيم التضامن والتعاون"، فيما قدم الفقرة الخاصة بالتوعية حول فيروس كورونا المستجد، د. عبدالرحيم السني باللغة العربية، د. سمير الحلوي باللغة الفرنسية، أكدا من خلالها أن اختيار المغرب للقاح الصيني الذي يعتزم تعميم الاستفادة منه، ينبني على معياري الأمان والفعالية، والذي أثبتت الدراسات السريرية المنجزة إلى حد الساعة سلامته وفعاليته، كما أشارا الى أن المغاربة سيكونون من الأوائل  في العالم الذين سيحصلون على اللقاح بفضل الجهود والرؤية الاستباقية للملك محمد السادس نصره الله.

واختتمت أطوار هذا السمر الروحي بفقرة "من كلام القوم"، خصصها إبراهيم بن المقدم لعرض مختارات من كلام العارف بالله أبو مدين شعيب بن الحسين الأنصاري، والمعروف باسم أبو مدين الغوث التلمساني من خلال قصيدته "أهْلُ المَحَبَّة بِالمَحبوب قد شُغِلــــوا ** وفي مَحَبَّتِهِ أرْواحَـــــــــــــهُم بَذَلـــــوا..."، مختتما كلمته برفع الدعاء الصالح لحفظ جلالة الملك والمغرب والبشرية جمعاء.



يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل