مقاهى مصر المحروسة على مر الزمان (1)

عرف المصريون المقاهي فى العصر العباسى وكانت تخضع للإشراف المباشر من قبل رئيس يشترى لنفسه حق التزامها




* كانت للمشروبات فقط .. وعرفت الدخان أيام الوالى
* رفض العثمانيون  غلق أبوابها فى نهار رمضان.. فتصدى لهم المصريون
*  جلس عليها الرجال هربا من قيود  الحرملك

عرف المصريون  المقاهي فى العصر العباسى وكانت  تخضع للإشراف المباشر من قبل رئيس يشترى لنفسه حق التزامها، وتدفع كل مقهى رسمًا صغيرًا فى بداية السنة الهجرية.

وسُمّيت بذلك لأن مشروب القهوة هو الأساس، إضافة إلى شُرب الدّخان الذي عُرفَ في أيّام الوالي العثماني "علي باشا الخادم" سنة 1558. والقهوة المعروفة في مصر هي التركية.


وكان العصر الذهبي لمقاهى القاهرة فى النصف الأول من القرن العشرين، خاصة فى العشرينيات، والثلاثينيات، وكانت القاهرة تزخر بالعديد من المقاهى منها "مقهى نوبار" الذى توجد مكانه الآن مقهى المالية، وكان مجمعًا للفنانين، وكان عبده الحامولى يقضى أمسياته فيه.

 

وفى شارع محمد على يوجد مقهى "التجارة" وهو من أقدم مقاهي القاهرة، ويزيد عمره الآن عن مائة وعشرين سنة، ومازال قائمًا حتى اليوم، ومعظم رواده من الموسيقيين العاملين فى فرق "حسب الله".

وفى نهاية شارع محمد على أمام دار الكتب، يوجد مقهى "الكتبخانة" وكان من روادها حافظ إبراهيم، والشاعر عبد المطلب، والشيخ عبد العزيز البشرى، وحتى أربعينيات القرن العشرين كان يوجد عدد كبير من المقاهى فى روض الفرج، وبالقرب من مقهى ريش فى وسط البلد، يوجد مقهى آخر يلتقى فيه عدد كبير من المثقفين والأدباء والصحفيين، وهو مقهى "الندوة الثقافية".


وكانت نشأة القهاوي الأولى، انعكاساً لعصر الحريم، الذي كان يراعي بصورة كبيرة حرمة البيوت وبروتوكولاتها المتحفّظة، فاتّجه الرجال والشباب إلى الخروج واللقاء في أماكن عامة تسمح لهم بالتحلل من التقاليد القاسية داخل المنازل المغلقة بمشربيات ورواشين. كما أنها كانت البديل الشعبي للخمّارات والسفن النيلية التي كانت يمتلكها بعض المماليك، ويمارسون فيها حياتهم المترفة بعيداً عن سلطة المجتمع ونظام الحسبة.

 

ويذكر عبد الرحمن الجبرتي (1756- 1825) أن من تقاليد القهاوي أن تغلق أبوابها في نهار رمضان، وتفتحها بعد المغرب، غير أن عساكر العثمانيين كانوا لا يصومون ويرفضون هذا النظام، فتحدُث معارك ومشاحنات بينهم وبين الأهالي.

لم يغفل المؤرخون والمستشرقون ذكر القهاوي القاهرية ومريديها، فذكرها مؤلفو كتاب "وصف مصر" من علماء الحملة الفرنسية (في الفترة من 1809-1822)، وإدوارد لين (1801-1876) في كتابه "المصريون المحدثون: شمائلهم وعاداتهم"، كما أن علي مبارك باشا (1823- 1893) حصر أعداد القهاوي سنة 1880، فكان عددها 1076 قهوة.


وحظي حي الأزبكية بنصيب الأسد بعدد 252 قهوة، ثم بولاق بـ 160 قهوة، والجمالية بـ142 قهوة، وحي عابدين بـ 102 قهوة.

 

نوعان من المقاهي
بعد الحملة الفرنسية، عرفت القاهرة نوعين من القهاوي العامة، إحداهما القهاوي البلدية المعروفة، والثانية القهاوي الإفرنجية، وهي التي ابتدعها الجنود الفرنسيون يوم افتتحوا ملهى "كيغولي" بالأزبكية، وهي أماكن مغلقة اشتهرت بالرقص، يقف على بابها شخص وظيفته أن يسمح بدخول الزبائن ويسمونه "الخلبوص”!. وقد انتقد الجبرتي ارتياد بعض علماء الأزهر لها، ووصف ذهابهم إليها، بأنّه رجسُ من عمل الشيطان.

مكان للغناء
عرفت معظم الفنون طريقها إلى الناس عبر القهاوي التي كانت تستضيف بعض محترفي الفنون الشعبية، مثل الغناء الذي كان يقدمه بعض مشاهير المطربين، فقد بدأ بعض شيوخ الغناء العربي، مثل عبده الحامولي مغنيا في قهوة عثمان بحي الأزبكية. كما كان هناك بعض الهواة الذين يتخذون ركناً في القهوة يغنون فيه ويسمون “الصهبجية". كما دخلت النساء إلى الغناء بالقهاوي مبكراً، وكن يُسمين "العوالم" (مفردها عالمة بكسر اللام وتسكينها)، وكان يقول المستشرق البريطاني، إدوارد وليم لين، الذي عاش في أحياء القاهرة كأحد المصريين وسمّى نفسه "منصور أفندي" عن غناء العوالم: "وقد سمعت أشهر عوالم القاهرة، فأطربتني أغانيهن، بل وأستطيع أن أضيف بحقّ: ومن أي موسيقى أخرى تمتعت بها. ويخطئ من يخلط بين العوالم والغوازي اللاتي ينتسبن إلى بعض القبائل التي احترفت نسائهن الرقص، و كن يدرن في الموالد، وتستضيفهنّ بعض المقاهي بالأزبكية”.

ويذْكَر أن الشيخ، أبو العلا محمد، اصطحب الطفلة أم كلثوم، في أول ظهور فني لها بالقاهرة، إلى بعض المقاهي، وكانت ترتدي العقال. حتى تعاقد معها صاحب مقهى ريش لتقدم أمسيات منتظمة. وذكر علماء الحملة الفرنسية أن القهاوي كانت تشهد أيضاً وصلات من الإنشاد الديني والمدائح النبوية، وشاعر الربابة الذي يحكي السير الشعبية، والحكواتي وخيال الظل والأراجوز والزجالون والأدباتية وغيرهم.


لجأت القهاوي، أيضاً، إلى توفير أنواع بسيطة من ألعاب التسلية، يمارسها الزبائن أنفسهم، وهم جالسون على طاولاتهم، مثل الكوتشينة والطاولة والدومينو والشطرنج. وفي بعض القهاوي المتحررة كانت ألعاب القمار عنصراً أساسياً، يجذب نوعية معينة من الزبائن، الذين كانوا يستبدلون بعض أنواع الخمور الرخيصة بالقهوة. فيما تميزت بعض القهاوي بألعاب خاصة مثل صراع الديوك الهندية والمقامرة عليها، مثلما يصفها عبد المنعم شميس في كتابه "قهاوي الأدب والفن في القاهرة".

 

وبعد ظهور الراديو، كان الناس يجتمعون بالمقاهي لسماع الخطب السياسية الرسمية والأخبار، حيث كان يندر توافر ذلك في بيوت الناس، وحدث الأمر نفسه مع دخول التلفزيون البلاد، وفي الوقت الحاضر، أصبحت القهاوي مركزاً لتجمع الشباب، لمشاهدة المباريات الرياضية المشفرة.

 







يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل