جرائم ثُمانيَّة الأبعاد بحق الأديان

بقلم .... د. محمد عمارة تقي الدين

الخميس 26 مارس 2020
د. محمد عمارة تقي الدين

 

في هذا المقال التأسيسي الذي سيكون استهلالاً لسلسة مقالات أخرى ستجري المحاولة على إضاءة استراتيجيات التلاعب بالأديان ومحاولات أيديولوجيات العنف إفسادها وتقويضها من الداخل. 

بدايةً يمكننا القول أن ما تقوم به جماعات العنف والتشدد والتوظيف السياسي السلبي للدين (كالحركة الصهيونية في اليهودية، والمسيحية الصهيونية في المسيحية، وداعش في الإسلام) بحق الأديان هي جريمة ثُمانيَّة الأبعاد، تلك الأبعاد التي سنعمد إلى ثبر أغوارها في محاولة لتفكيك استراتيجيات هذا التقويض والإجرام المتعمد بحق العقائد، وتلك الأبعاد هي:

 البعد الأول: جريمة إغفال السياق الذي جاء فيه النص المُقدَّس، ومن ثم اقتطاعه منه لإعادة توظيفه في سياق مغاير تمامًا، ليكتسب فهمًا جديدًا هو في أغلبه مضاد لمفهومه الحقيقي. 

البعد الثاني: جريمة التأويل المفرط أو الباطني للنص المُقدَّس، وذلك عبر تحميله ما لا يحتمل من معان ودلالات ليندفع في اتجاه تعضيد أيديولوجية هؤلاء مبتعداً كل البعد عن مقصوده الحقيقي بل وربما معادياً له. 

البعد الثالث: جريمة الإحلال والإزاحة، أي إحلال نص هامشي ما في جوهر ومركز مصفوفة المعتقدات ليصبح هو العقيدة ذاتها، في مقابل تهميش وإزاحة نصوص أخري جوهرية لأنها لا تتفق مع أيديولوجية هؤلاء المتلاعبين بالنصوص.

البعد الرابع: جريمة تغييب الملابسات التاريخية للنص المُقدَّس وحيثيات واقعه والذي جاء استجابة له في محاولة لمعالجة وتقويم عثراته ومن ثم إسقاطه بشكل مجحف على واقع مغاير تماماً.

البعد الخامس: جريمة التفسير الحرفي الجامد للنص في وقت يتطلب منا النظر إليه برؤية رمزية تأويلية منضبطة وفق اشتراطات ومنهجية صارمة.

البعد السادس: جريمة تضخيم المُقدَّس، بمعنى إضافة نصوص تراثية للدين غير أن هذه النصوص التراثية تكتسب قداسة زائفة بمرور الوقت وصولاً لدرجة تطغى فيها على النص المُقدَّس ذاته وتزيحه عن المركز لتستقر مكانه.

البعد السابع: جريمة أدلجة النصوص المُقدَّسة بمعنى وضعها في إطار أيديولوجية ما ومن ثم لَيّ عنقها لتتفق وما تطرحه تلك الأيديولوجية من أفكار حديدية مغلقة، لنجد أن الدين في نهاية الأمر وقد أصبح هو التابع والخادم لتلك الأيديولوجية وليس العكس.

البعد الثامن: جريمة إغفال المقاصد العليا للأديان، والتي في القلب منها عبادة الله في مناخ من التراحم والتسامح والمساواة والعدالة لكل بني الإنسان، غير أنه جرت قراءة النصوص المُقدَّسة بعيدًا عن هذه المقاصد، وتلك الجريمة هي في اعتقادنا أم الجرائم أجمع وكبيرة الكبائر التي يجرى ارتكابها بحق الأديان.

إذن، وفي التحليل الأخير، فبفعل تلك الجرائم الثمانية تم إنتاج أنماط من التدين أساءت للأديان في إصدارها الأول بنقائها وصفائها وحمولتها الإنسانية والأخلاقية الرائعة، ومن ثم وجدنا أنفسنا أمام أيديولوجيات قتل وإبادة، تدعي زورًا وبهتانًا الحديث باسم الله.

وبإذن الله سنقف في سلسلة مقالات قادمة عند كل بعد من هذه الأبعاد الثمانية  بشيء من التفصيل، مع إيراد عدد من الأمثلة المعضدة لها من كافة الأديان وكيف تلاعبت بها أيديولوجيات العنف والتطرف، ومن ثم اقتراح سبل إنقاذ هذه الأديان من تلك الجرائم لتعود إنسانية تراحمية خالصة مثلما انبثقت من نبعها الأول، وإصدارها التأسيسي، إصدار السماء.