معاً للمستقبل

..أنتم منتبهون للزيادة السكانية ؟!

بقلم .... علي هاشم

الخميس 18 فبراير 2021
علي هاشم


مصارحة الرئيس للشعب بحقائق الأمور وصعابها وتحديات المرحلة يعكس واقعية وشفافية ينتهجها السيسي منذ تولى مقاليد البلاد، وهو ما افتقدناه طويلا في أنظمة سابقة دأبت عمداً على تغييب الشعب عن مجريات الأحداث وطبيعة المشكلات باعتبارها شأنا رئاسياً لا يصح إطلاع العامة عليه أو ربما خوفاً من ردة فعلها.. والنتيجة ترحيل تلك الأزمات أو الالتفاف عليها حتى تحملت أعباءها أجيال قادمة لا ذنب لها في تحمل إخفاق أو كسل من سبقهم .

ولعل حرص الرئيس مثلاً على تذكير المواطنين بخطورة ما تمثله العشوائيات والانفجار السكاني على عوائد التنمية يدل إلى أي مدى يقدر الرئيس شعبنا ويود أن يشاركه في كل صغيرة وكبيرة، حيث قال بلغة بسيطة تصل للقلوب والعقول "أنتم منتبهون للزيادة السكانية"..وتلك رسالة واضحة تضع الجميع أمام مسئولياته؛ الفقير قبل الغني ..فليس من المقبول أن يستمر تعدادنا السكاني في الزيادة بهذه الوتيرة العالية(2.5 مليون نسمة سنوياً) بينما الرقعة الزراعية والموارد لا تزيد بنفس المعدلات ..وهنا تتولد الفجوة وتنفجر المشكلة. 

كلمات الرئيس في جولاته ومنتدياته وخطبه أحسبها بمثابة خارطة طريق تقدم رؤية مستقبلية وكاشفة بما يرجوه لمصر وشعبها والمنطقة كلها من أمن وسلام وتنمية تنهض بالمواطن وتحسن جودة حياته وترفع مستوى معيشته وسقف طموحاته.

ولا تكاد مناسبة تمر إلا ويشيد الرئيس السيسي بوعي الشعب وصبره وتحمله لما مر به من تحديات ومتاعب فرضت على الحكومة اقتحام ملف الإصلاح الاقتصادي الذي لم يكن منه مفر؛ ذلك أنه لو تأخر فترة أخرى لتفاقمت الكلفة وازدادت الأعباء مشقة وما كان في إمكاننا مواجهة تداعيات كورونا التي نالت من دول العالم أجمع.

الآن..نحن إزاء سياسة مغايرة دأب الرئيس على انتهاجها تقوم على اقتحام الملفات الشائكة ومصارحة الشعب بما تتطلبه من جهد وكلفة ومشقة ، سياسة لا ترضى بغير الجلول الجذرية بديلاً، بل تفضل الاشتباك مع الملفات الشائكة والمكاشفة التي ارتضاها السيسي لنفسه في علاقته بالشعب رغم ما يجلبه عليه ذلك من متاعب وما يخصمه من رصيد شعبيته؛ فكل ما يشغل باله هو مصلحة مصر التي يضعها الرئيس فوق كل اعتبار.

الرئيس يدرك تماماً أهمية المصارحة والجدية والبساطة في مخاطبة عوام الناس بلغة يفهمونها، ويراهم أولى أولوياته وشغله الشاغل..ولمَ لا وهم الداعم الرئيسي للدولة وبطلها الحقيقي في معارك البقاء والبناء وقهر الصعاب وهم الجندي المقاتل في معركة الإرهاب ومواجهة الشائعات واستعادة هيبة الدولة وتثبيت دعائمها وتعزيز دورها الفعال في شتى القضايا خارجياً وداخلياً.
وقد يتبادر للذهن سؤال: لماذا يبادر الرئيس من آن لآخر بمصارحة الجماهير بالحقائق وتوصيل المعلومات الصحيحة إليهم بموضوعية وشفافية..والجواب في رأيي يرجع لرغبته في نشر حالة وعي حقيقي بين الناس يحصنهم في مواجهة وعي زائف تنشط القنوات المغرضة في نشره، وتعويضاً لذلك الغياب المذري للنخبة والأحزاب ووسائل الميديا  المختلفة التي تخلفت عن دورها، وغابت عن مواكبة الحدث وأولويات الوقت.

الرئيس بخطابات ومداخلاته التي لا تروق لمحور الشر وفضائياته، تصدى لسيل هائل من الشائعات أريد به هز الاستقرار وزعزعة أمن هذا الوطن ..وكم وجه الرئيس الحكومة بمصارحة الناس بما يجري ويحاك لدولتهم وتبسيط رؤية الدولة، وكان آخر هذه التوجيهات عندما اصطحب رئيس الوزراء وعدداً من الوزراء لعزبة الهجانة موجهاً حديثه إليهم :"اخرجوا للناس وواجهوهم بحقيقة ما يجري حتى لا نتركهم نهباً للشائعات".

خطيرة هي تبعات الزيادة السكانية على الاقتصاد والأجيال القادمة، وهو ما يدركه الرئيس السيسي جيداً ويعلم أنها تلتهم بل تفترس ثمار أي نمو اقتصادي ومن ثم فقد طالب الجميع باعتبار تلك القضية من أهم تحديات الوقت التي تقتضي المصلحة مواجهتها ليس بفرض إجراءات قانونية قد لا يتجاوب معها الرأي العام لكن بتوعية جادة مقنعة وحلول غير تقليدية..وقد قال الرئيس السيسي "إن الواقع المصري يشهد ملايين العقارات المخالفة، والهدف من إجراءات التصالح على تلك المخالفات هو حل مشكلة غياب الدولة سنين طويلة، فمثلاً الإسكندرية تستأثر وحدها بنحو 100إلى 200ألف مخالفة بناء..ولست – والكلام للرئيس- أستطيع نقل قاطني هذه المساكن دون توفير بديل لهم..كما أن منطقة الكيلو 4.5 تحتاج إلى مبلغ يتراوح بين20 و40 مليار جنيه لتطويرها، وفي كل محافظة سوف نحتاج إلى 3.4 تريليون جنيه لتطوير العشوائيات الموجودة فيها..وما نريده أن يصل للناس في موضوع المصالحات ومخالفات البناء أن هناك مشكلة كبيرة سببها أن الدولة كانت غائبة لسنوات طويلة، ولا سيطرة لها على الإجراءات وكل واحد حسب ما هو شايف..أما الآن فالدولة قادرة على بناء مليون شقة سنوياً للأجيال الجديدة وإن كل ما وعدت به في حملتي الانتخابية يجري تنفيذه بالكامل، والدولة تتحرك لتقليل حجم النمو العشوائي".. ثم وجه الرئيس كلامه للشعب:" أنتم فاكرين كلامي عن النمو السكاني المتزايد، وإن الزيادة السكانية وراء المشاكل في كل قطاعاتنا، وقد بدأ الانفجار السكاني منذ عهد عبدالناصر مروراً بعصري السادات ومبارك".

الرئيس قال أيضًا إن أي مواطن أنجب 3 أو 4 ينتبه جيدًا إزاي حيعيشهم ويأكلهم، زيادة السكان بمعدل 2.5 مليون نسمة كل عام يلتهم أي ثمار للتنمية، ويجعل الدولة غير قادرة على توفير الصحة والتعليم بالصورة المرجوة. 

اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب سبق لها أن حذرت هي الأخرى من خطورة الزيادة السكانية على خطط التنمية الاقتصادية ومستقبل الأجيال القادمة،مؤكدة أن استمرار هذه المشكلة دون مواجهة حقيقية ينذر بعواقب وخيمة ومشكلات صعبة على عوائد التنمية ومشروعاتها الكبرى؛ زراعية وصناعية ومشروعات بنية أساسية نفذتها مصر خلال السنوات الماضية، وأن حكومة د.مدبولي نجحت بصورة كبيرة وملموسة في تنفيذ تكليفات الرئيس في مختلف القطاعات إلا فيما  يتعلق بالمشكلة السكانية التي باتت تشكل قنبلة مدوية تهدد الحاضر والمستقبل، وتلتهم الأخضر واليابس؛ الأمر الذي يتطلب ضرورة الحد منها ومواجهتها لاسيما وأنه خلال السنوات الثلاثين المقبلة من المتوقع أن يتضاعف عدد السكان في مصر ليصل إلى 194 مليوناً!!

تغيير الثقافة و ما ترسخ في عقول البعض من قناعات خاطئة وعادات وتقاليد ومفاهيم مغلوطة خطوة أساسية لا غنى عنها لعلاج تلك المعضلة، ويتطلب العلاج في الوقت نفسه تفعيل إستراتيجية موسعة تشارك فيها جميع مؤسسات الدولة لتوعية الأسر المصرية بمدى هذه الخطورة؛ ومن  ثم فقد طالب الرئيس بتوجيه خطاب واضح للقرى الأكثر فقراً في صعيد مصر التي لا يزال بعض أبنائها للأسف يرون أن زيادة عدد الأبناء وسيلة لزيادة الرزق؛ فكلما زاد عددهم زاد دخل الأسرة، ومن ثم فهي تدفع أبناءها للعمل في سن صغيرة فيتسربون من التعليم ..وقد آن الأوان لمؤسسات الدولة عامة والمؤسسات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني والإعلام والثقافة أن تنهض بدروها المأمول في تغيير هذه المفاهيم .

 وزيرة الصحة حين جرى تكليفها بمنصبها أسند إليها أهم ملفين ؛ أحدهما يتعلق بصحة المصريين والآخر يتعلق بمشكلة الزيادة السكانية وقد قالت بالحرف الواحد:" إن الزيادة السكانية قضية غاية في الأهمية لأنها تلتهم كل جهود التنمية في مصر فماذا أنجزت في الملف الأخير..وهل وصلنا لنتائج إيجابية ملموسة على أرض الواقع..وما نتائج مبادرتها بالحث على الاكتفاء بطفلين اثنين فقط..؟!

أتصور أننا ما زلنا في حاجة إلى توصيل رسائل تنظيم الأسرة بشكل غير تقليدي يؤتي ثماره المرجوة بإقناع حقيقي يرسخ في الأذهان ضرورة الأخذ بالأسباب والتعامل بواقعية مع الموارد المتاحة.. فكيف لمن لا يستطيع إعالة طفلين أن يفكر في إنجاب الثالث..؟!

وماذا حقق المجلس القومي للسكان منذ أنشيء عام 1985..هل نجح في إيقاف الانفجار السكان أم تفاقم الوضع وازداد سوءًا؛ بدليل أن التعداد كان يزيد بمعدل 20 مليون نسمة كل 28 سنة ..أما الآن فإن السكان يزيدون 20 مليون نسمة كل 9 سنوات..فماذا حقق هذا المجلس؟!

لا شك أن الزيادة السكانية بهذه المعدلات تتعدى ليس قدرة الأفراد وحدهم على توفير حياة كريمة لأبنائهم بل تتعدى قدرة الدولة ذاتها على المواءمة بين الموارد والاحتياجات الفعلية من بنية تحتية وخدمات أساسية ذات جودة مناسبة..ناهيك عن تراجع نصيب الفرد من موارد الطبيعة أو الاستخدام الجائر لتلك الموارد على حساب الأجيال القادمة ولاسيما مصادر الطاقة والأرض الزراعية التي ينهشها الزحف العمراني بلا رحمة ولا رشد حتى تحولت الزيادة السكانية من نعمة إلى نقمة حذر منها الرئيس السيسي معتبراً إياها خطراً يوازي خطر الإرهاب قائلاً " إحنا حطينا الناس اللي ستقتلنا مع الزيادة السكانية بوصفهما تحدياً؛ لأن الأخيرة تقلل فرص مصر في التقدم للأمام".

ويحضرني هنا ما قاله الرئيس السيسي أيضاً أثناء فعاليات المؤتمر الوطني الرابع للشباب في الإسكندرية: " بالنسبة للسيدة أو الرجل المصري اللي بيقول أنا عندي 4 أولاد ..أنت مسئول أمام الله عن الأولاد اللي أنت حتجيبهم ..يا ترى قدراتك المادية تتيح أنك تنفق عليهم إنفاقاً مناسبًا لأنه لو معندكش يبقى أنت حتظلمهم وحتتحاسب".

أضاف الرئيس: " إنا باتكلم من منظور ديني فيما يخص الزيادة السكانية..أنت بتضيّع أولادك لأنك مش قادر تنفق عليهم وبتجيبهم وبتقول حييجي رزقهم.." وناشد الرئيس المواطنين بتنظيم الإنجاب وفقًا للقدرات المادية متابعاً " مش علشان ما تطالبش الدولة أنها ترعى أولادك دول أولادنا لكن علشان نقدر نوفر لهم الرعاية الإنسانية والتعليم والصحة...".

ويبقى أن نقول إن مفتى الجمهورية د.شوقي علام سبق أن أكد أن تنظيم النسل جائز شرعاً وأن الدين يدعونا للموازنة بين عدد السكان والموارد حتى تتحقق التنمية المنشودة وحتى لا تؤدي كثرة النسل إلى الفقر.."

دار الإفتاء استقر رأيها على أن الإسلام يدعو للغنى وليس الفقر، ويدعو للارتقاء بالمجتمع والأسرة وينبه على خطورة الاعتقاد بضرورة التكاثر من غير قوة ؛ فمثل ذلك التكاثر يدخل في الكثرة غير المطلوبة التي هي غثاء كغثاء السيل"..فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.. واليد العليا خير وأحب إلى الله من اليد السفلى.

كما أمر القرآن بإعداد القوة بقوله "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة..." فكيف تتأتى القوة والبشر ضعاف أو مرضى تنهش الأمراض في أجسادهم وتنخر الأمية في عقولهم ..ثم ألم يقل الرسول الكريم:"فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد"..أليست القوة الحقيقية في العلم النافع والإيمان المستنير ..في الجسد القوى ..وفي الوعي الرشيد .. في الوحدة والتماسك وليس في الكثرة غير الفعالة وغير المنتجة وغير المبدعة..ماذا جنينا من الكثرة الضعيفة غير التراجع والفقر وكثرة الأعباء..؟!