معا للمستقبل

إكسير السعادة والاعتراف بالخطأ وعندليب الزمن الجميل!!

بقلم .... علي هاشم

الخميس 18 أبريل 2019
علي هاشم

* كرة القدم صارت صانع السعادة ليس لشعبنا فحسب بل لشعوب الأرض جميعا.. ولننظر كيف تمتليء المقاهي عن آخرها في مباريات ليفربول مثلا تشجيعاً لمحمد صلاح أو في مباريات كلاسيكو الأرض وغيرها من منافسات الدوريات الدولية والمحلية. 

* ولا عجب والحال هكذا أن تتحول كرة القدم إلي قبلة للاستثمارات تحقق عوائد ضخمة بمليارات الدولارات. يعود نفعها علي اللاعبين والأندية والاتحادات والشركات الراعية والدول المضيفة للبطولات علي السواء بما يجعل الساحرة المستديرة صناعة ثقيلة وبيزنس مربحا إذا أحسن استثماره وتسويقه بالصورة المرجوة. 

وإذا كانت مصر بعد أسابيع وتحديداً يوم 21 يونيو علي موعد مع انطلاق حدث رياضي هو الأهم في قارتها السمراء. حيث ستواجه مصر البلد المضيف منتخب زيمبابوي ضمن منافسات بطولة الأمم الإفريقية التي ستضم ولأول مرة 24 منتخباً.. فإن ثمة أملا كبيرا أن يجري استثمار هذا الحدث وتوظيفه اقتصادياً وسياسياً وسياحياً فهو أفضل دعاية لمصر الآمنة المستقرة والناهضة المتميزة بمعالمها السياحية والأثرية وتاريخها وعظمة حضارتها العريقة المبهرة.. وحبذا لو أن منتخبنا نجح- وهو بالمناسبة قادر- في الفوز بكأس المونديال الإفريقي الذي سبق لمصر اقتناصه 7 مرات كان آخرها عام 2010 كما سبق لها تنظيمه باقتدار في عام 2006. 
ما يضاعف جرعات الأمل أننا نجحنا بالفعل في تنظيم احتفالية قرعة كأس الأمم الإفريقية تحت سفح الأهرامات وأبو الهول في مشهد هو الأفضل في رأيي عالمياً. 

ننتظر جميعاً بطولة تليق بمكانة مصر وعراقة شعبها ولمَ لا وقد باتت كرة القدم تفرض نفسها كمشروع قومي في كل بلدان العالم. ليس بحسبانها الرياضة المفضلة لدي أغلب شعوب الأرض فحسب بل لأنها ميزان عدل تنال به الشعوب المستضعفة فرصتها في مناوأة الكبار وربما التفوق عليهم في تنافس شريف تحكمه قواعد شفافة ملزمة للجميع بلا تمييز ولا محاباة. 

لكن كرة القدم شأنها شأن كل سلوك إنساني يشوبها أحيانا قصور في أداء الحكام ومساعديهم أو أداء اللاعبين ومدربيهم أو حتي سقطات الجمهور وخروجه عن النص ..لكن ذلك كله لا يعدو أن يكون استثناء طبيعياً لا يفسد للعرس الكروي بهجة أو متعة. لكوننا بشرا تحتمل أفعالنا الصواب وتحتمل الخطأ ..لكن يبقي أن كرة القدم هي إكسير السعادة وكلمة السر في إدخال البهجة إلي قلوب الشعوب و إحداث المتعة وانتزاع الإعجاب الذي ربما لا نجده بالقدر ذاته في أي شيء آخر كما يتحقق علي أرضية المستطيل الأخضر.. إنها حقاً أفيون الشعوب. 

***
* ما أتعس عالمنا العربي الذي يهدم نفسه بنفسه..ويعادي بعضه بعضاً ويهدم بعضه بعضاً حتي شهدنا ألواناً من الخرائب تفوق الوصف وتدمي القلب..فما يحدث من صراعات وفتن تصل لحد الاحتراب الأهلي في بعض مناطقنا المنكوبة لا نجد له نظيراً في منطقة أخري من العالم.. بدلاً من أن نبني ما يفيدنا وينفع أمتنا ويوفر فرص عمل لأبنائنا وحياة كريمة لشعوبنا. ونهضة علمية قادرة علي توفير دوائنا وطعامنا وكسائنا رغم أننا نملك بالفعل مقومات تلك النهضة من ثروات طبيعية هائلة وموارد بشرية ضخمة.. 

لكن ذلك لم يحدث بل تزداد أحوال العرب سوءاً يوماً بعد الآخر رغم أنه قد تبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وعلموا يقيناً من هو عدوهم الحقيقي ومن لا يريد لهم خيراً ولا استقراراً ولا تكاملاً ولا رخاء. بل إن أعداءنا نجحوا في استخدام بعض بني جلدتنا في إشعال نار الصراعات والفتن والحروب في أوطاننا ..ألم يأن للعرب أن يضعوا أيديهم في أيدي إخوانهم. وأن ينحوا خلافاتهم جانباً حتي لا تلهيهم عن أهدافهم وتبعدهم عن غاياتهم وتجعلهم لقمة سائغة في أفواه أعدائهم؟! 

لقد انشغل ملايين العرب بخلافات صغيرة هنا وهناك وبدلاً من أن يزيلوا تلك الخلافات من طريقهم كما تفعل الدول الكبيرة التي صرفت جهودها وطاقات أبنائها في البناء والتعمير والعلم والتعليم لا يزال بعضهم للأسف سائراً في غيه لا يأبه بما يجري من تدمير وتخريب وضياع للآمال وتبديد لفرص الأجيال القادمة في الحياة. 

إننا نعرف منذ قديم الزمان من هم أعداؤنا.. وما معاركنا التي علينا أن نخوضها لكننا للأسف أضعنا حكمة التاريخ وعبره ودروسه. وما زلنا نضيّع السنين في خلافات بينية ويحارب بعضنا بعضاً ونوفر للدعاية الصهيونية مئات الملايين كانت سوف تنفقها في تفريق صفوفنا والإيقاع بين دولنا وشعوبنا وتمزيق بلادنا. فتفرقنا من تلقاء أنفسنا وقدمنا لإسرائيل ومن يدور في فلكها الفرصة مجانا وعلي طبق من ذهب حين قتلنا نحن العرب ألوفا من العرب وهدمنا نحن العرب ألوف البيوت والمؤسسات العربية نيابة عن إسرائيل وعن أعدائنا المتربصين بنا. 

فكيف بالله عليكم نذرف الدمع علي اللبن المسكوب بينما نحن الذين سكبناه. بعد أن أضعنا دولنا العربية دولة بعد أخري. وسلمنا ليد إسرائيل أقوي سلاح وهو تفككنا وضعفنا وذهاب ريحنا ووحدتنا..فهل آن الأوان أن نستيقظ وننتبه لما يحيط بنا من مخاطر ومهالك ومؤامرات يحيكها الاستعمار الجديد الذي يدير حروب الجيلين الرابع والخامس بكفاءة مستخدماً مواطني تلك الدول ذاتها فذلك أقل تكلفة ومشقة من الاستعمار التقليدي. 

تعالوا نواجه أعداءنا بأمة عربية موحدة ولو لمرة واحدة وليس بعدد لا متناهي من الفرقاء المتناحرين والمتصارعين الذين يقتل بعضهم بعضاً أكثر مما يقتلون من أعداء أمتهم. 

الاعتراف بأخطائنا شجاعة حقيقية بل فريضة غائبة في عالمنا العربي.. نتمني أن نتحلي بها حتي يمكننا أن نغير من أنفسنا ونبدأ طريقنا نحو استرداد الذات وتجاوز النكسات. متجنبين العثرات والزلات والفرقة التي هي المقدمة الطبيعية للهزيمة ولا سبيل لتفادي ما نحن فيه إلا بوحدة الصف وقوة العزم وترك الخلاف. 

بلادنا في حاجة لجهد كل واحد منا. بل هي في حاجة لجهد مضاعف وعقول تفكر وتبتكر وتضع حلولاً خلاقة لمشكلاتنا وأزماتنا إذا استطاع كل واحد منا مضاعفة جهده وزيادة إنتاجيته وأن يتقن ما يعمل وأن يحب ما يعمل فإذا ما نجحنا في ذلك نكون علي الطريق الصحيح لاستعادة الذات وتحقيق الهدف. 

***
* 42 عاماً تفصلنا عن رحيل عندليب الغناء العربي عبد الحليم حافظ الذي شق طريقه إلي النجومية والشهرة وسط جيل من العمالقة. 

بساطة "حليم" وتلقائيته وإخلاصه لجمهوره وفنه كان الباب السحري لقلوب الناس. كل الناس بأغانيه وأفلامه التي لا تزال حية في وجداننا. ترددها الألسنة وتتغني بها الأجيال جيلاً بعد جيل. ولا تفارق خيالنا. 

خلود الفن الصادق نتيجة طبيعية للإبداع العبقري الذي جادت به قريحة "حليم" وأقرانه من جيل العمالقة ..ولن تموت ذكري العندليب بل سوف تعيش وتنمو وتتعاظم بداخلنا. وتحلق في سماء المشاعر المرهفة والأحاسيس الصادقة التي غزت القلوب بأداء "حليم" المتميز الذي يعكس قيم هذا الزمن الجميل وفنه الأجمل مقارنة بما نراه ونسمعه من قبح المتنطعين في ساحة الطرب والغناء من عناصر دخيلة أفسدت الذائقة الشعبية. وهوت بها إلي أسفل سافلين في غيبة أي دور للمعنيين بالأمر من داخل الوسط الغنائي وخارجه. 

ولم يكف ما يلقاه أهل زماننا من مصاعب وهموم حتي تكالبت عليهم آفات الغناء والفن لتعكر صفو الذوق الرفيع الذي ورثناه عن أهل الإبداع وصناع النهضة الحقيقية..وليس مستغرباً أن يهرب الذين تربوا علي الفن الجميل من هذه الدوامة السحيقة إلي ذلك الزمن الجميل بقيمه الفنية العالية. زمن الطرب الأصيل والكلمات الرقيقة والصوت العذب الذي يتدفق عاطفة وحناناً وهذا هو سر خلود "فن حليم" وأغانيه العاطفية والوطنية والدينية. 

العندليب الأسمر غيبه الموت عن عالمنا عن عمر يناهز 47 عاماً فقد رحل عنا في الثلاثين من مارس 1977 بعد معاناة شديدة مع فيروس سي الذي لم يكن له علاج شاف في ذلك الوقت ..الأمر الذي يطرح سؤالاً: تري لو كان "حليم" بيننا اليوم فماذا كان سيقول لو رأي ما نراه من مبادرة الرئيس عبدالفتاح السيسي التي توفر علاجاً ناجعاً ومجانياً لهذا المرض اللعين الذي فتك بأكباد ملايين المصريين.. مبادرة الرئيس السيسي تستحق الشكر فقد أنقذت شعب مصر من خطر داهم حصد الأرواح بلا هوادة كما أنقذهم الرئيس من جماعة الإخوان الإرهابية حين انحاز لإرادة الشعب الذي خرجت ملايينه رافضة حكم الإخوان في 30 يونيو . 

لقد خاض الرئيس السيسي معركة الإصلاح الاقتصادي التي أنقذتنا من الإفلاس.. ولا يزال الرئيس يواصل حربه الضروس لتطهير مصر من الإرهاب والفكر المتطرف. 

حليم لا يزال في وجدان ملايين المصريين والعرب والإنسانية كلها لا لشيء إلا لصدقه وإخلاصه لفنه ووطنه وقضايا أمته ..فلم يقتصر إبداعه علي الأغاني العاطفية التي هي أكثر ما جذبت الجمهور إليه بل إنه قدم الأغنية الوطنية التي تناصر الدولة وتشد من أزر القيادة السياسية في المفترقات الصعبة فكان لأغانيه تأثير لا يدانيه تأثير وصنع ببضع كلمات بصوته ما عجزت عن صنعه مئات البرامج والمقالات والكتب. 

نجم العندليب بزغ في زمن العمالقة.. وهذا سر عبقريته فقد نجح في ظل توهج أم كلثوم كوكب الشرق وسيدة الغناء العربي وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وأمير التلحين فريد الأطرش وغيرهم. 

وكم أبدع صديقه الصدوق مجدي العمروسي حين قال في كتابه الرائع "كراسة الحب والوطنية" الذي أصدره خصيصاً لإلقاء الضوء علي حياة حليم : كان العندليب مدرسة فريدة متنوعة في الغناء. غني للحب والحلم الوطني والمشروع القومي.. غني للدولة والشعب والشباب وكان صادقاً في كل ذلك لم يصطنعه بل أداه بإحساس العاشق لفنه المتفاني في إسعاد جمهوره المتعطش للحب.. غني للخير والحب والثورة وعبدالناصر والقدس والعروبة ولم يترك مناسبة وطنية ولا قومية إلا وغني لها. معبراً عن مشاعر الملايين وطموحاتهم. 

ولا يخالجني شك أن حليم ورفاقه العمالقة لو كانوا بيننا اليوم لقدموا أعمالاً راقية تساير حركة الدولة وتعالج الظواهر السلبية وتبث القيم الأصيلة التي تصون الأخلاق وتلهب المشاعر الوطنية وتعيدنا للزمن الجميل الذي نفتقده كثيراً في وقتنا هذا.. فأين الفن الملتزم ..وإلي متي لا تتدخل الدولة لتصحيح مساره؟!