معاً للمستقبل

الإعلام رسالة وليس سلعة!!

بقلم .... علي هاشم

الخميس 04 مارس 2021
علي هاشم

هل ما زلنا في شك أن للصحافة والإعلام دوراً تنويرياً لا غنى عنه في الدولة الحديثة..فإذا ما سلمنا بذلك الدور وتلك الأهمية فماذا سنفعل لإنقاذهما مما أصابهما من تراجع ..؟!..وبأي معيار نقيس نجاحهما ..هل بقدرتهما على تحقيق الربح والمكسب كما هو حال أي سلعة أم بقدرتهما على الانتشار والتأثير وتحصين المجتمع من رياح الفتن والشائعات والأباطيل التي لا يكف عن ترديدها أهل الشر وإخوان الشياطين ..أهما رسالة لا يصح أن ننتظر منها مكسباً مادياً بقدر ما نسعى لتعظيم دورها في صنع رأي عام مستنير ..فإذا ما سلمنا بأن الإعلام والصحافة رسالة ليس من بين أهدافها تحقيق الربح وهما بالفعل كذلك ..يصبح السؤال وهو بالمناسبة يخص كل من يرجو صناعة رأي عام مستنير وحقيقي وواعٍ  وليس فقط أصحاب المهنة  أو جهات الاختصاص: ماذا نفعل لإستعادة الوجه المشرق للإعلام والصحافة، وإبقائهما على قيد المنافسة والحياة بلا منغصات ولا متاعب ولا ديون تثقل كاهلهما وتجعلهما عرضة للاهتزاز والعوز والضعف..؟!

فإذا اعترفنا بوجوب اعتبار الإعلام والصحافة رسالة ورمانة ميزان لتشكيل الوعي والرأي العام فإننا نصبح على الطريق الصحيح لحل المعضلة التي لم تجد حلاً على مدى عقود ..فثمة تراجع لا ينكره أهل المهنة ليس في أرقام توزيع الصحف المطبوعة ونسب المشاهدة وحدها بل ثمة تراجع أشد فداحة وسوءاً في قيم المهنة وجودة المحتوى المعروض وجاذبيته..وقد يثور هنا سؤال: ما أسباب هذا التراجع.. والجواب باختصار تراكم المشكلات والديون وعدم الجدية في معالجة جذور المشكلة التي تجمعت خيوطها قبل أكثر من عقد ثم استفحلت ولا تزال رغم شدة ما تحتاجه الأمة من صحافة وإعلام فعال وملتزم بقضاياها وهمومها وشواغل أبنائها في ظروف هي أقسى ما مرَّ بمصر ومنطقتها العربية كلها من إرهاب وتآمر وتحالف شيطاني خارجي وداخلي وصراعات أهلية دمرت بعض دولنا وشواغل قومية لا تجد من يتصدى لها بإلمام وحرفية اللهم إلا قلة قليلة من صحفيينا وإعلاميينا الذين يحملون على عاتقهم قضية أمتهم ووطنهم ..كما يتضاءل بينهم عدد من يدركون الفارق بين أن تكون الصحافة كما هي الشاشات وسيلة إيقاظ للهمة والوعي .. وبين أن تنجرف في طريق مصالح وأجندات معادية للدولة ، لاهثة بلا ضمير وراء سبق إعلامي براجماتي، داهسة في طريقها قيماً وتقاليد مهنية عريقة لصاحبة الجلالة التي تحولت بفعل فاعل إلى عالة وآفة وعبء يتبرأ الجميع من سوءاتها وعثراتها.

ويالقسوة المفارقة التاريخية بين أحوال صحافتنا اليوم وبين حالها يوم ولدت فتية  من رحم قضية عملاقة هي استقلال الوطن وطرد المستعمر عن أراضيه، والذود عنها ضد ثالوث قاتل يتمثل في الجهل والفقر والمرض،..وشتان بين قضية وطن حملها رواد وأساطين فكر كانت أفكارهم وقوداً للتحرر ونبراساً للنضال أضاء للمصريين طريق الحرية والاستقلال والنهضة وبين ما نراه اليوم.. ولم يأت ذلك الفارق من فراغ بل قاتل هؤلاء الرواد في صفوف الجماهير حتى سقط من بينهم ضحايا وهبوا أنفسهم طوعاً لتحقيق "رسالة" دون انتظار لمكاسب زائلة أو تحقيق مجد شخصي زائف.. فالكل يفنى و يبقى الوطن. ..شتان بين مهنة آوى إليها هؤلاء المناضلون وبين حالها اليوم وقد زحفت إليها جحافل جرارة بلا تدريب كاف ولا رؤية ولا هدف إلا الاسترزاق أوالسعي وراء الشهرة والأضواء ..فلا تعجب إذا ما وجدت هناك روحاً تلهب وجدان الجماهير وتأخذ بناصيتهم إلى الفعل والتغيير وبين جيوش جرارة من الصحفيين يثيرون طحنًا كثيراً بلا طحين.

فهل نجد في أجيالنا الجديدة أمثال أحمد لطفي السيد صاحب الشعار الأثير" مصر للمصريين"الذي جاهدت لتحقيقه صحيفته "الجريدة" في وجه الاحتلال البريطاني والتركي..كما رفعت "العروة الوثقى" التي أنشأها المفكران جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده "شعار "التنوير" إيقاظاً للشعوب العربية والإسلامية، ودفعها على طريق التحرر من الاستعمار.

أما "لواء" الزعيم الوطني مصطفى كامل فلم يكن بمنأى عن هذا التيار القومي بل نافح هو الآخر عن قضية بلاده ما وسعه الجهد حتى عرفت طريقها للحرية والاستقلال.. فأين تقف الصحافة ووسائل الإعلام من قضايا أمتها وشواغل شعوبها..وما جدواها  إذا لم تتبن  تلك القضايا وتكون في طليعتها..؟!

صحيح أن الأفغاني ومحمد عبده ويعقوب صنوع عانوا آلام النفي والتشريد.. ولم يسلم العقاد والنديم  من السجن؛ دفاعاً عن الرأي وذوداً عن حرية الوطن.. ولم يتطلعوا لمكاسب شخصية بل كان التنوير هو رسالة أقلامهم ومحركهم وديدنهم..وهكذا كانت صحافة الزمن الجميل محراباً للتنوير وحصناً للوطنية قبل أن تنفتح آفاق التطور الإلكتروني على تقدم تقني مذهل، صادفه للأسف تردٍ قيمي وتراجع مهني وضعف في مقومات الريادة فانفلت الزمام وغدونا نرى جحافل صحفية وإعلامية تطل علينا من نوافذ شتى هم للأسف أكثر عدداً، لكنهم أقل أثراً ونفعاً.. غابت الرسالة وحضرت الانتهازية ، فلم نجد بعد حلول الخريف العربي إجماعاً إعلامياً حول أولويات الوطن ، بل أجندات متنازعات ومصالح متقاطعات وحسابات متناقضات..اختلفوا إلا ما رحم ربي حول الوطن و ليس على أرضيته ولا مصالحه العليا وأوجب واجباته ..والنتيجة مزيدٌ من  تدني الثقافة والأخلاق و انحطاط الذوق العام وظهور الإحباط..فمن ينكر أن إعلامنا كان ملء السمع والبصر في الشرق كله قبل أحداث 25 يناير، ثم تحول بفضل دخلاء كثر على المهنة إلى ساحة تموج بسخافات الخرافة والدجل والشعوذة وتتبع سلبيات المجتمع وعوراته وفضائحه وخناقات المشاهير وفتاوى الفتنة التي تتنافي مع قيمنا الأصيلة وروح ديننا الحنيف.

لم يعد مستساغاً أن يبقى أعلامنا وصحافتنا على تراجعه بل آن لهما أن ينهضا من جديد ويبحثا عن مداخل أكثر رشداً وجذباً وتأثيراً لعلهما يستعيدان البريق المفقود ..عليهما أن يبثا محتوى هادفًا قادراً على صياغة الثقافة والفكر المستنير، و تبني رؤية خلاقة تستشرف آفاق المستقبل وتتبني أولويات الوقت وتشتبك عملياً مع معوقات التقدم لتقدم بدائل أكثر معقولية لإشكاليات التعليم وتردي الأخلاق والأمية، وتحفز على زيادة الإنتاجية قبل الزيادة السكانية ومحاربة ظواهر سلبية كالعنف ولاسيما الأسري والإدمان والفن الهابط، خصوصاً أغاني المهرجانات الساقطة وألفاظ الشوارع المنحطة التي استشرت بصورة فجة.

لقد آن للقبح أن يتوقف، وللفوضى الإعلامية أن تزول وإن يكون إعلامنا جزءاً من الحل لمشكلات معقدة وأن يتخلص  من أي محتوى غث متهافت ضرره أكثر من نفعه إن كان له نفع ..وأن يعود إعلامنا مدافعا عن هويتنا يترصد كل ما من شأنه الإضرار بالمجتمع وشده نحو القاع.

وإذا شئنا تشخيص علة إعلامنا ومعرفة أسباب غياب حسه الوطني ونضجه المهني فذلك مرجعه غياب العلم والموهبة والخبرة، و التدريب الفعال وانعدام تناقل الخبرات والجهل بحقيقة الدور وجوهر الرسالة؛ فالإعلام شأنه شأن أي مهنة ينهض على أعمدة العلم وليس على المحسوبية والفهلوة ؛ فهو أخطر المهن قاطبة ؛ ذلك أنه يبني أمماً أو يهدمها بكلمة أو صورة أو أغنية، كما أنه مكون أصيل وكاشف لمنظومة ثقافية وفنية تحدد توجهات الدولة وأولوياتها ، وتعكس المحتوى الفكري والثقافي والسلوكي لشعبها.

ينبغي ألا نهون من أخطاء الإعلام؛ فالجميع يدفع ثمن تلك الأخطاء؛ الدولة والمجتمع وقبلهما عامة الشعب، وهو ما تحاول الدولة الآن إصلاحه مهنياً وأخلاقياً بشتى السبل ..ولعل أبسط مثال على ذلك ما نراه من سلوكيات غريبة على مجتمعنا مثل العنف  وإظهار الشماتة حتى في المرض والموت وغيرها من الآفات التي غذاها الإعلام عبر تقديمه نماذج ساقطة في أعمال درامية أسهمت في تدهور الأخلاق مع  عوامل أخرى يتصدرها غياب دور الأسرة وضعف المؤسسة التعليمية وتراجع دور المؤسسة الدينية..والأخطر أن تصر الأعمال الدرامية والسينمائية والغنائية بعضها أو أغلبها على إشاعة قيم الاستهلاك النهم والعنف والغرائز والابتذال والأغاني الهابطة التي لم تجد من يتصدى لها حتى تسللت لمجتمعنا في غفلة من نقابة الموسيقيين التي تنبهت أخيرا لخطورة أغاني المهرجانات فعملت على إيقافها.

ثمة سلوكيات خاطئة غريبة تماماً على مجتمعاتنا ، تبدو وكأنها تنتشر بفعل فاعل  للنيل من استقرار مصر وصورتها، وتغييب وعي شبابها وأجيالها الجديدة في سياق ما يعرف بحروب الجيل الرابع والخامس .. فمن سمح بظهور الأغاني المبتذلة و الزاعقة ..ومن مهد التربة لسريان الشائعات واغتيال سمعة الأبرياء ..فهل يمكن أن نبريء وسائل التواصل الاجتماعي  أو برامج التوك شو أو الأعمال الدرامية الهابطة مما يجري.. كيف تضافرت كل تلك الموبقات واتحدت لتشكل واقعاً غريباً على مصر التي بدلاً من أن تتنادى ضمائرها الحية وقواها الفاعلة لمجابهة مثل هذا التردي تغافلت عن خطورة ترك مثل هذه الصورة المغلوطة عن بلدنا ليتلقفها أهل السوء ويقوموا بتصديرها للخارج.

صحيح أن الدولة تنبهت لخطورة ترك الفن بأيدي كل من هب ودبّ، وبدأت بالفعل في إنتاج  أعمال درامية وسينمائية هادفة تمحو لحد ما بعض ما علق في الأذهان من سوء تسبب فيه غيبتها عن سوق الدراما والبرامج الإعلامية التي تشكل وعي الأجيال الحاضرة والقادمة في بلادنا.

تدخل الدولة جاء هذه المرة مدروساً بعناية عبر تقديم أعمال فنية هادفة كما حدث بالفعل في مسلسل "الاختيار 1" الذي التفت حوله الشعب في رمضان الماضي ..وكما حدث أيضاً في فيلم "الممر"..ولسوف يأتي الجزء الثاني من  "الاختيار" وفيلم "السراب" ليضيفا زخماً جديداً للفن الهادف الذي لا تجد الأسرة المصرية حرجا في مشاهدته خالياً من أي ابتذال، هادفاً لاستعادة قيم حب الوطن والتضحية في سبيله.

لاشك أن الإرادة السياسية حاضرة في ملف إصلاح الأخلاق، ويولي الرئيس السيسي هذا الملف الخطير عنايته واهتمامه، وكثيراً ما نبهنا في خطبه ومؤتمراته إلى ضرورة التحلي بالخلق الحسن..وفي المقابل يأتي رد فعل المؤسسات المعنية بالعقل والوجدان باهتاً لا يتسق ورؤية الرئيس الذي يدرك بعمق مدى حاجة ظروفنا الحالية أكثر من أي وقت مضى لتجديد خطابنا الثقافي والفني والديني جنباً إلى جنب تطوير المحتوى والرسالة الإعلامية لمحاربة الإرهاب وخطابه المتطرف.

كم نحن في حاجة لابتعاث روح النهضة في أجيالنا الحاضرة عبر تكريم علمائنا ومفكرينا الأفذاذ على الشاشات ليكونوا القدوة والمثل.   

 نريد أمة من الأصحاء نفسياً وروحياً وبدنياً وعقلياً ..نريد قدوة حسنة لشبابنا الذين باتت أخلاقهم في خطر عظيم بعد أن رأوا تلك القدوة في محمد رمضان وحمو بيكا..ولن يتحقق ذلك إلا إذا عادت لصحافتنا وإعلامنا ومؤسسات بناء العقل قوتها وتناغمها لتنهض بدورها الطبيعي في صناعة وعي حقيقي عبر كوادر واعية تملك ضميراً مهنياً وحساً وطنياً وتأهيلاً علمياً راقياً مواكباً للعصر..حتى تصبح المنظومة كلها داعمة للدولة ووسيطاً نزيهاً بينها وبين المواطن ..تنقل همومه ومتاعبه وتعبر عن طموحاته ليصبح داعما لها في معاركها في البناء ومجابهة الإرهاب .

الصحافة التي نعرفها تغيرت.. و ما كانت تقدمه للجمهور لم يعد يصلح لزماننا فقد تغيرت العادات القرائية لهذا لجمهور كما أن العالم يمر بعملية تحول كبرى أحلت الإلكتروني محل الصحافة المطبوعة.. ولم تعد شواغل الصحافة في دول العالم تقتصر على طبيعة علاقتها بالسلطة ولا في هامش الحرية المتاح بل يكمن الخطر الأكبر في تآكل اقتصادياتها حتى بات السؤال: كيف نتوصل لصيغة زواج شرعي بين مهنة عريقة وثورة جامحة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ..ويبقى من حق الجميع كما قال الرئيس السيسي أن يعبر عن رأيه ومن حق الناس أن تعترض مادام الهدف من التعبير عن الرأي أو المعارضة السياسية هو تحسين أحوال الناس لكن ينبغي للمعارضة ألا تكون لمجرد المعارضة..لابد أن يتكلم الناس حتى نبين أن هناك مشكلة بشرط أن يفهم من يتكلم هو بيقول إيه...".