ذكريات جسر موستار

بقلم .... داليا الحديدي

الخميس 06 فبراير 2020
داليا الحديدي

 
وإني لأرتجف كأوتار قيثارة شرقية كلما عدت من نوبة شرود لأيامي في البلقان والأناضول.
 فها هو دخان الذكريات يتحدى عضلات النسيان. 
وها هو سلطان الحاضر الواعي يركع إجلالًا لطيف الماضي الثَمِل.
وتتراءي أمامي تركيا ببوسفورها ودردنيلها وجلالها، وهيامات تلقي على ذاكرتي التماعة مضوية من صور أول رحلة لي بالأراضي الأناضولية.
محض هيامات ترسل لمسامع قلبي تارة صوت صفير الحسون، وتارة أنّات ناي حنون.
واليوم، بمجرد ما تلمست قدماي ركن رقيق منسي بأقاسي الكون بصربيا والبوسنة والهرسك، وكرواتيا، أعود لركن الذاكرة المعهود بلأناضول المجاورة للبلقان.

■ ■ ■
يقولون أن العقل هو الدماغ قيد الإشتغال.
فيما أزعم أن الحنين هو الذكريات قيد الإشتعال.
كما أعلم أن الكتابة هي الإشتغال بالحرف، حال الإشتعال بجرف الذكريات من شواطئ الصبا.
أحداث مضت لحال سبيله،ا ثم عادت فزرنني، فضايفتها بكأس من مُدام، ملأته حتى الجمام، فغدا ذهني مستهام.
في زيارة ربعها للعمل لتغطيات صحفية، وجُلّها للسياحة مع صُحبة عائلية، سافرت لأنقرة بالأناضول، ثم توجهت للبلقان، وبقلب مدينة موستار عاصمة الهرسك، وقفت على الجسر الذي يطوق المحبين أسواره بأقفال حديدية لتجديد عهود أبدية الحب، فوجدت قلبي أكثر التصاقًا بتحناني لعهدي القديم بالأناضول. 

لا الأشجار الصنوبرية تغريني ولا جمال لمدينة "بركو"طبيعة أو "بيهاتش" تثنيني عن تفضيلي لاسطنبول، ولا نهر"درينا" يقارن مضيق البوسفور، و لا االادرياتيكي يقارب بحار الدردنيل، ايجة أو مرمرة،،ولا جسر محمد باشا سكولوفيتش ولا حتى جبل ايجمان يبهرني، ولا "ترافنيك" العريقة ولا"بوتشتلي" ولا "يايتش" بشلالاتهما تلهيني، حتى مدن صربيا وكرواتيا على روعة الطبيعة فيهم، إلا أن الأناضول تظل لها الغلبة في قلبي.

ولا أجد تفسيرًا مقنعا لأن تعيش واقعًا أوروبيًا جميلًا، فيما قلبك معقول بلجام ماضي أسيوي مُنصرم.
إذ كيف لشقراء جميلة أن تعوض سمراء فاتنة؟ 

■ ■ ■
فمع زخات المطر، ومع هبات الصقيع، ومع هطول الجليد على الأشجار العارية إلا من كسوة قطنية مثلجة، كانت تظهرلي شذرات من صور لشخوص، ثم تختفي، كومضات متقطعة تختلس من ذهني قبضة من أمواج تمد وتجزر، كنقطة نور برتقالية تشق عتمة الليل من سحبة نفس سيجارة، ثم تختفي مع أول زفير.
 صورة ضابط (الكاركول) المخفر 
وصور لموظف الإستقبال بفندق "اوتومان"، واخرى لللص العربي ولشبيهة جدتي ولمطعم جنات 
ولقطات "لمصطفى ولصبهاتن"، وللعجوز راعي الدكان 

وصور لجامع "سلطان أحمت"،"دولما باتشا"، مقهى "مادو" وقاعة كبار الزوار بمطار القاهرة الدولى، حلواني "حافظ مصطفى"، طيور النورس، صوت" زكي مورين"، وأجراس ترام ميدان تقسيم، عدا شلالات جارفة من الذكريات شرعت تغزل خيوطها من لحظة وصول نبأ اجتيازي بتفوق للإمتحان التحريري لوزارة الخارجية، حيث جاء ترتيبي الثالث بين زهاء ألف طالب متقدم للإلتحاق بالسلك الدبلوماسي، تلا ذلك امتحان المخابرات والذي انعقد بالمعهد الدبلوماسي، ثم أخيرًا، وجدتني وجهًا لوجه مع هيئة لجنة الإمتحان الشفهي والتي لا أذكر منها سوى الدكتور مصطفى الفقي والدكتور أسامة الباز.

يومها، تداعت عليّ الأسئلة من كل صوب كرياح تتقاذفني بكرات الثلج، لكن لا اذكر منها سوى سؤال أحد السفراء.
:لو الحقت بالعمل الدبلوماسي، فأي البلاد تودين تمثيل مصر بها؟
:حال تمثيل بلدي، لن انتبه كثيرًا لإختيار دولة بعينها، فلست في"برانش" انتقي من خلاله أطايب الدول، لذا، سأكون معنية باكتساب الخبرات من أي بلد.
قاطعني أحدهم:اكتساب الخبرات شعار منمق ولكن من أجل ماذا يعمل الدبلوماسي؟
:للحفاظ على الأمن القومي المصري.
:تمام، لكن لما التهرب من اختيار دولة؟
:إن كان ولا بد، فأود تمثيل مصر في تركيا ثم في...
استوقفني دكتور الفقي :في أي القارات تقع تركيا؟
:في أسيا، وجزء منها بأوروبا.
:كم في المائة من الأراضي التركية يقع في أوروبا؟
:معظم الأراضي التركية تقع في آسيا فيما يعرف بالأناضول، وجزء ضئيل يقع في أوروبا والمعروف بالبلقان.
:صحيح، نحو 3% فقط من الأراضي التركية تقع في أوروبا والباقي في آسيا.
ثم أسئلة أخرى واشادة بمنطوقي الإنجليزي. 
لم تكن اشادة، بقدر ما كانت تعليق.
:واضح أنها قوية في الأدب واللغات، فلا داعي لسؤالها فيهما.
خرجت من اللجنة في حالة ترقب، وكان اللغط قد اشتد بين المعارف حيث وصلني الكثير من الهمس مفاده
:يا لإبنة الجنرال المسكينة، إنا لنراها ترنو لتحقيق حلم والدها في الإلتحاق بالعمل الدبلوماسي. لكم ضغط عليها لتحقق حلمه، لم يكتف بمركزه العسكري، ثم يطمح لإبنته بعمل دبلوماسي.
لكم كرهت هذا اللغط ولكم وددت تبرأة والدي منه، إذ لم يمارس عليّ أية ضغوط.
 فقط، كان يعسعس لي عن الفرص ويريد مني تفرصها.
ولقد عشت –دومًا- في حياة والدي كمعارضة، لكني أخلي ساحته من هكذا ضغوط مختلقة.
أعلنت النتيجة وخلت النشرة من اسمي، ما كان بمثابة إعلان هزيمة.
واليوم أرى أن اخفاقي في الإلتحاق بالعمل الدبلوماسي -وإن سائني- بمقتبل عمري، إلا أن اللجنة الممتحنة لم تغمطني حقي، فلست مؤهلة للعمل السياسي، ولكم أنقذني ربي بهكذا إخفاق وعدّل مساري لوجهة أخرى تناسبني.
 لكني لا انكر شعوري بغصة -يومئذ- على حصيلة عنائي لليالي عاقرت فيها السهر وسُجنت فيها مع الكتب والقلم، ثم تنصرم الأماني حزنًا على الحبر المسكوب. 

■ ■ ■
كنت حتى المرحلة الثانوية أنادي والدي بـ Papi 
وقد لاحظت أن الوالد يمتعض من الألقاب ويمقت أن يناديه أحد ب يا بك، باشا، استاذ، معاليك، سعادتك، أو حتى يا "كابتن" رغم كونه كابتن طيار حربي.
لكن، بمجرد ترقيته، غدوت أناديه "جنرال"، وقد لمست مسحة قبول على وجه كلما ناديته بهذا اللقب، تمامًا كفاتنة يُسيئُها الغزل إلا من أحدهم، كونه أجاد الإطراء الأصيل، فبدا منها الإيجاب.
يبدو أن العيش في كنف أب، زوج أو مدير "مسيطر" يقودك لحتمية التفكير بمستوى يتجاوز المنطق.
ولأن الإيجاز مطلوب مع الجنرالات، لذا، فإن السخط الأخرس كان ديدني، والصمت المدوي كان ردائي، لضيق والدي برحابة عباءة الإنصات.

 لكن بعد النتيجة بأيام، دخلت عليه بلا ارتباك حيث واتتني جرأة غير معتادة، فلملمت حروفي كقزم عَزَم على قَذف وشاحَا في وجه جبار الضاحية، فقلت بصوت يتصارع فيه الخفوت مع الرنين، والارتعاش مع الثبات.
: جنرال، س، سأسافر لتركيا، محتاجة للتغيير.
: حسنًأ، اعطني وقت لتنظيم سفرة
:لا، أرجوك جنرال، أنا بحاجة للسفر وحدي. 
:كيف؟! لابد أن أكون معك.
:يا جنرال، أفضل الإختلاء بنفسي.
رمقني بعين كفوهة بركان تطلق شرارة رعب ثم قال
:إذن، أنت تقولين لي تنحي أيتها الجيفة من طريقي
:لم يصدر مني هكذا قول 
:بل صرخت به لهجتك الصماء معي، أتحسبينني صبي يستعصي عليه فهم بذاءة صمتك؟
:لوهلة، شعرت ببطئ في تدفق كلامي حتى بدوت كصبي متلعثم أو كشاب ثمل، ولا أعلم كم من الوقت مكثت دون النطق أو حتى الغمغمة، فكيف لي أن اشرح له أن صدري قد طفح منه اليأس، فيما همتي مكتنزة بنعاس وخيبة.
 اخذت نفس لأستجمع قواي، ثم قلت
:جنرال، أعلم أن من حقك مصاحبتي، لكن أتتخيل أنك من نوعية الأباء التي يمكن الإرتياح لصحبتها وأنا في حالة نفسية سيئة؟
لا أدري كيف طوعت لي نفسي التواقح بهكذا رد صلف مع والدي، ولليوم كلما تذكرت قسوة صمتي أو بشاعة ردي الإقصائي في هذا الموقف وبموقف آخر، وددت لو صفعني.
:أنت فاهمة غلط يا داليا، لقد اردت صحبتك، لا لكونه من حقي، بل لأنه من واجبي،
 ثقي أننى لست معنيًا بحقوقي مع أبنائي، فهاجسي، هو واجباتي تجاههم.
لكن للأسف، أتفق معك كوني لست أبًا مريحًا، لذا، سأسمح لك بالسفر شريطة أن تصحبك أمك.
:جنرال، أرجوك، أنت تعلم أنها مولعة بالتبضع وأنا بحاجة لإكتشاف نفسي، لا اكتشاف بازارات.
:انتهينا، واحمدي ربنا اني لم أفرض عليك وليد،
 ثم فتح خزانته ووضع بين يدي جهاز "السيلف ديفندر" الخاص به وعلمني طريقه استخدامه، 
قال ما معناه:"لا قاربتك الشرور"، ثم مضى مغاضبًا.
كنت استدني موعد الرحلة الذي لم يفقد هيبته لما اهابا.
ولقد ايقظت في استعدادت السفر خواطر مبهمة بين الحذر، الحماس، واحساس ممتزج بين الغبطة المغلفة برجاء أن يوقظ لي المجهول فرصة من رقاد الأحلام. 
فرصة لأن اصحو على قبلة من الفجر على جبين امآلي.
فرصة بأن ربما يُشعل الغد، ما اطفأه الخسران.

بالفعل تأهبت للسفر بحثًا عن الفرص، فرصة المعرفة، فرصة مصادفة المجهول، فرصة المواساه بالجديد، فرصة السلوى بمشاهدة الغريب، فرصة التلذذ بالمذاقات الصادمة، والإقبال على العطور التي ترج البدن كالنشوق، كروائح الأماكن والتي لا يجدي معها آلزهايمر ولاينفع معها النسيان.

وكنت عازمة على زيارة اسطنبول، ازمير وبورصة. ولم انتبه للغة جسد والدتي الغير ابهة لزيارة تلكم المدن، فكانت ابتسامتها -بنصف خد- تُعلن زهدًا في ذكر أي مدينة بخلاف اسطنبول، في حين كانت تومض فرحًا كلما سمعت عن أسعار أسواق بازارتها الزهيدة الواعدة بشراء هدايا للأهل، سيما وأن أخي وليد كان قد خطب حديثًا، ما يعني أن لديها أولوية لمهاداة العروس والأصهار.

■ ■ ■
بعد الحصول على إذن السفر من الجنرال، بدأت اجراءات الحصول على التأشيرة وحجز النُزُل وتذاكر الطائرة، ولكم سعدت من عدم استفسار والدي عن أي شئ يخص الرحلة.

ومن جانبي، أخبرت الوالد أنني لا أريد استقبال في قاعة كبار الزوار لدى عودتي، كما رجوته ألا يرسل معي رجل أمن من التشهيلات لتسهيل إجراءات السفر، الجمارك والحقائب كما يفعل في العادة.
وصلنا اسطنبول والتي لم يكن خيالي يرقي لهكذا رحابة، لهكذا سحر، لهكذا حسن، فكل بقعة في هذه المدينة بمثابة تاريخ ناطق.

ورغم تفضيلي للمدن الأوروبية الصغيرة، إلا أنني لا ادرى سببًا لوقوعي في حب تلك الأسيوية الرشيدة.
أحببتها من أول خطوة، من أول بوريك بمقهى "مادو"،
من أول لحن "لزكي مورين"، 
من أول رحلة في البوسفور، 
من أول معزوفة على البزق،
من أول فسحة في جزيرة الأميرات،
من أول قضمة خطفها من يدي النورس،
من أول كنافة تذوقتها  لدى "حافظ مصطفى"،
ومن أول ركعة ركعتها بمسجد سلطان أحمد.

بالمطار، استقبلنا محمود، شاب تركي وسيم، كانت عربيته مدهشة. اخطرنا أنه يعمل لدى وكالة السفر التي تعاقدنا معها، وأنه مخول بتوصيلنا للنُزل، كما أعطانا رقم هاتفه وعرض استعداده لمصاحبتنا في أي مكان بتركيا، وهو ما قوبل برفض من والدتي، لقد هشته كذُبابة، لكنه أخبرنا أنه سيعاود الإتصال للإطمئنان علينا. 

بفندق "اوتومان"، رحب بنا موظف الاستقبال وكان شابًا فارع القامة، حسن البنية وودودًا.  
بإنجليزيته الركيكة، عرض استبقاء جوازات السفر في الأمانات وأطلعنا على تسهيلات الفندق. بعدها، صعدنا لغرفتنا لنستريح.
كان النُزُل يقع على تلة مرتفع بالمدينة، ما دعا أمي للتذمر والغمغمة، فقد شرعت تحدث نفسها بما معناه 
"من الخطأ أن يجاري الشيبة، الصبيان"
فبينما هي تعاني من خشونة الركبة، تتعثر 
تخطو بحذر، تخشى كبوة لا تبقى ولا تذر
كنت أركض حجلة، على الدرج 
فوق التلال البازلتية، لا اخشى الخطر
ارافق الليلك النابت على جانبي الحجر 
اغازل الظلال والثم ثغر أغصان الشجر
اعانق مطبات دروب السَمَر 
واخانق حُمر اشارات الضَجَر
اركل بقدمي حصاة الأرصفة
في الشوارع الدامسة ساعة السحر
اتوسد الأسوار العتيقة التي بها التاريخ يُختصر
اكشف راسي من الحجب، ادعو السماء، علّ الذنوب تُغتفر
اغفو فافترش الطرقات والتحف ضي القمر
اخترق السكون بصوت قبلة على وجنتي نقطة مطر 
اتودد للقدر، فيرسل من فوقي وريقة شجر
مع الريح دارت حتى حارت ثم خارت قواها فطاحت
وحطت على معصمي، فثَمِلتُ، واستبشرتُ من هذا الخدر.
كل هذا وامي تخشى، أن ساعة القدر، يعمى البصر
لما الحذر أمي؟ وكل صغير وكبير مستَطر؟

■ ■ ■
كنت متحمسة لمشاهدة معالم المدينة، لكن والدتي كانت جائعة، فاقترحت تناول الطعام بمطعم "المدينة" في شارع الاستقلال، لكنها أخبرتني انها مرهقة والمحت لحانوت صغير بجانب النُزُل، نستطيع شراء بعض العصائر، الجبن والخُبز منه.
 أنا لم أسافر لقارة أخرى لتناول خبز وجبن، لكني أسررتها- كيوسف- في نفسي وصاحبت أمي للحانوت الواقع على قارعة الطريق، وكان راعي الدكان عجوز، متهالك، وللعجب، تحدث معنا بعربية سليمة، أخبرنا من خلالها أنه عمل في مصر بمطلع شبابه، ثم سألنا عن سبب الزيارة
:سياحة 
:وفي صحبة من جئتما؟
:لحالنا
: الله الله الله، من دون رجال؟  قالها بنبرة تركية عريضة
شعرت والدتي بحرج بالغ، ونظرت لي نظرة معناها
:جلبت لنا الخزي.
:توجه العجوز لوالدتي مستنكرًا كيف تسافر وحدها ومعها شابة مثلي، وصمم على تعيين صبيين يعملان لديه -في عمر 14 عام- ليصاحبانا أينما توجهنا.
كنا نتريق في النُزُل، وما أن نخرج للشارع حتى نجد "مصطفى" و"صبهاتن" يقفان بانتظارنا، كالظل يتبعانا أينما ذهبنا، لا يتحدثان سوى التركية، لكننا تواصلنا بلغة الإنسانية.

طوال الرحلة، ندخل أي مقهى أو مزار، فينتظران بالخارج، فقد تم تلقينهما أن يصحبانا كالمعقبات، للحماية، لا للمشاركة.
الشاهد، سئمت القيود وحاولت التهرب منهما، وبالفعل نجحت، حيث دخلنا احدى الحوانيت من باب وخرجنا من آخر، ومنه ذهبنا لنصلي الظهر بمسجد سلطان أحمد.

■ ■ ■
بالمسجد، جاورتنا عجوز، ما أن طالعتها أمي حتى شردت ذاهلة، ثم شرعت تدمع، فلقد كانت صورة طبق الأصل من جدتي.
توددت أمي للعجوز، فخلعت خاتمها وأهدته لها، ثم بدأت تشير لوجهها لتفهمها أن ملامحها تطابق ملامح جدتي صوفي.
لم يبد على العجوز أنها فهمت شيئا!

رحت اتوضأ وتركت المرأة بصحبة والدتي التي شرعت تصلي، بينما العجوز تجلس خلفها.
عدت من الميضة وكانت والدتي لا تزال في محرابها، لكني وجدت حقيبة أمي ولم اجد شبيهة جدتي.
 بعد الصلاة قالت والدتي: الم تكن تشبه جدتك؟
 :بلا، تشبهها في الملامح، لا في الروح.
 قالت: لكنها جائت ورحلت كحُلم جميل.
 :دعينا نخرج لزيارة باقي مزارات اسطنبول، "دولما باتشا"، "اسكودار"، "آيا صوفيا"، "المسجد الازرق" وقصر "توب كابي".
 لكن أمي صممت على زيارة البازار العتيق لشراء هدايا.
 كنت اخشى من ضياع اليوم في التبضع، فتجادلنا، ثم استسلمت لرغبتها، وذهبنا للسوق، فوجدته مبهرًا، فقد أعادني للعصر العثماني في لحظات، وأعترف أنني كنت سأندم لو لم ازر هذا المكان العتيق.
 شرعت والدتي في الشراء، ففتحت حقيبتها لتنقد البائع ثمن مشترواتها، فلم تجد حافظة نقودها
 قلت:ربما نسيناها في النُزُل.
 فنفت مؤكدة أنها ابتاعت بعض الأغراض قبيل دخول الجامع.

عدنا "لسلطان أحمد" بحثًا عن النقود، رغم احساسنا أن الحافظة، سرقتها شبيهة جدتي أثناء صلاة والدتي في المحراب.
وجدت أمي جزعة، ربما لأن أحلامها في شراء الهدايا قد خارت، أو لأنه من المؤلم أن ترى شبيهة "أمك" في موقف وضيع، ولعلها تأكدت أن شبيهة جدتي لم تكن حلمًا جميلًا، بل كابوسًا مزعجًا.

عن نفسي شعرت بذنب كوني تخلصت من المعقبات "مصطفى وصبهاتن"، فلقد ارسلت إلينا السماء من يرعانا، فأبينا إلا الهرب لشجرة الحرية المحرمة.
طمأنت والدتي أن معي من المال ما يكفينا وزيادة، ثم أن جوازات السفر محفوظة بأمانات بالنُزُل، أما عن باقي الأوراق الثبوتية، فمن الممكن استخراج بديل لها بعد العودة للوطن.
عدنا للفندق للراحة، فأخبرنا موظف الاستقبال بضرورة الذهاب للمخفر "الكاراكول" لاثبات واقعة السرقة، لأن أوراق المحضر ستساعدنا في استخراج الوثائق الثبوتية الجديدة من مصر.

■ ■ ■
في الصباح، وكان اليوم الأول لعيد الأضحى"البايرام"، اكتفت والدتي باحتساء القهوة وقالت: هلم على المخفر.
وجدنا "مصطفى وصبهاتن" بانتظارنا أمام باب النُزُل وملء الأعين اسئلة استفسارية.

أخطرتهما أن السماء قد عاقبتنا على فعلتنا معهما، إذ قابلنا الإحسان بالهرب، فيما أنبأنا الصبيان أن جميع المواصلات التركية العامة مجانية طوال أيام "البايرام".

لم يكن في تخطيطي قضاء العيد في "الكاراكول"، لكن هنالك، استقبلنا ضابطًا شابًا، دمثًا، يجيد الإنجليزية، وافهمنا أنه سيمنحنا كل ما سييسر إعادة استخراج الأوراق الثبوتية في مصر، لكن والدتي الحت في السؤال حول امكانية استرجاع حافظة النقود.
خاطبها: أمي، صدقا اريد مساعدتك، ولتتأكدي أنه لا تقصير من جانبي في عملية البحث عن الحافظة، سارتب لك مقالبة مع شخصية لها باع في مجال الجريمة، وستشرح لك بالتفصيل كيف يتصرف اللصوص مع مسروقاتهم.

دقائق ودخل علينا عملاق عربي بشرته بنية لامعة، وعيناه بلون النبيذ المعتق، وقد اوضح الضابط لأمي أن هذا الرجل مخضرم في مجال النصب، ويستخدمونه في الشرطة لأغراض معينة من بينها الترجمة. 
مد الرجل يده ليسلم على والدتي، فأبت بكبر أن تصافح لصًا، فمددت له يدي في محاولة تعويضية لمسح الإهانة، فلقد كانت هذه الحادثة بمثابة أول لقاء لي مع لص وجهًا لوجه.

لم يخامرني ريب أنني بازاء تجربة مركزة تتيح لي اختصار خبرات عقد من الزمان في ساعة، كطالب وجب عليه دراسة منهج العام كله في ليلة واحدة.

 جلس اللص العربي مستريحًا على مقعده وقد صلب اقدامه قبالة أمي، فبصر إليه الضابط، فاعتدل في جلسته
:ماذا تريدين سيدتي؟
:رمقته والدتي باحتقار، فبادرته لقد سرقت محفظة والدتي وبها نقود ووثائق ثبوتية هامة، ونحن اذ نعلم أن لا أمل في عودة المال، لكننا نأمل في استرجاع الأوراق، إذ ما مصلحة السارق في الإحتفاظ بأوراق لن تنفعه؟
اطلق اللص العربي العملاق ضحكة جلجت حائط "الكاراكول" وقال
:أنت تعولين إذن على أخلاقيات اللص، وتأملين أن يتلطف ويعيد المحفظة سرًا.

جاء تعليقه صفعة على وجنتي سذاجتي.
:سيدتي، إن القاعدة الأولى لدينا هي "أن النار كاتمة أسرار"، فثقي أن اوراقك الثبوتية قد باتت رماد، فرغم أنها لن تنفعنا، إلا أن اعادتها قد تضُرنا.

كانت صدمة الحقيقة اقوى من تحمل والدتي التي امتعضت غاضبة، فأمر الضابط اللص بالمُضي، ثم سأل والدتي عن جوازات السفر، فأخبرته أنها بالنزل، لكن معها صور منها.

فطلب الضابط مني الذهاب للفندق لإحضر الجوازات، على أن تبقى والدتي في مكتبه لاستكمال سائر الإجراءات.
 ذهبت مسرعة وعدت، لتخبرني أمي أن ضابط المغفر لم يكن بحاجة لجوازات السفر، لكنه اراد أن يسألها على انفراد -دون إحراجها أمامي- عما إذا كانت بحاجة لأن يقرضها من ماله.

قالت: لقد سأل والح يا داليا، الح كإبن بار، واستحلفها الا تتحرج من الطلب واخبرها أنها تستطيع رد المال لدى عودتها إلي مصر.
وعبثا تحاول اقناعه أن لدينا فائض من المال يكفينا، لكنه لا يفتأ يعيد ويلح بلطف آسر. 

في النهاية، اعتذرت والدتي عن المال، لكن اثر خلقه الطيب كان ساحرًا، إذ اخبرتني أنه لو كان ضياع ضعف ما كان بحوذتها من نقود هو ثمن أن يُعرفنا الله بمخلوقات على هذا القدر من الطيبة،، فحيا وهلا بالخسائر.

يقول الأستاذ محمد زكي عبد القادر:"إن من الأحاديث ما وإن قصر، إلا أنه يحفر في النفس خندقا عميقًا، ومن اللقاء ما لا يتجاوز الدقائق ولكنه يتجاوز العمر، يتجاوز الزمان والمكان".

وإني لأرتعش كعشب ظمآن، سقطت عليه فجأة رياح وغيث فارتوى، كلما قرأت هذا المعنى، اذ كيف تتحول الصدمات لبلسم ندي ملطف، عقب مقابلة انسانية بينك وبين مجهول، لا قرابة دم أو جوار أو مصالح تجمع بينكما؟ 

■ ■ ■

لكم لمست تشابهًا بين شرقيتنا كعرب وأتراك.
لكن بمرور العمر وتكرار المشاهدات، نما لذهني أن الأمر لا علاقه له بتشابه جغرافي، ثقافي، تاريخي أو حتى عقائدي:
 فخلوق اثينا هوهو خلوق اسطنبول
وجحود تونس هو نفسه جحود سيدني. 
ولعوب لاس فيجس لها نفس أخلاقيات ساقطة أديس أبابا
وأصيل صنعاء لا يختلف عن قدير فيينا.
وأنيق باريس هو ذاته مُهَندم بيروت.
وصُعلوك برشلونة، لا يختلف عن عربيد مكة.
ولص شيكاغو، يماثل في أخلاقياته نصاب القدس.
وفارس إيران، بذات شهامة، نشامى الشام.
وعاهر كوبا، يحذو حذو قواد واشنطن، حذاء بحذاء. 
وأونطجي ميلانو، يصعب أن تفرقه، عن نظيره في موسكو.
وقبضة يد بخيل البندقية، بذات قياسات قبضة يد بخيل المنوفية.
والإنجليزي المتسامح، بنفس وداعة السوداني المسالم.
وانتهازي بوينس ايرس، لا يختلف عن وصولي مانيلا.

والمفارقة أنه قد تتشابه طينة الأخلاق والطباع، أكثر مما تتشابه طينة الإقليم والضِيَع.
لكن يؤسفني القول أنه يوجد بيننا من يتكبر على بعض جغرافيًا، تاريخيا وحضاريًا، عوضًا عن التقارب مع بعض انسانيًا.
فتجد الداعر الذي يعير الزانية ويتعالى على القواد. 
وهذا المرابي الذي يتفاخر على السكران.
بخلاف الحكومات التي تتناحر، فيقع فيها الشعوب التي لا ناقة لها و ا جمل سوى المزايدة على الوطنية بتنمية مشاعر الكراهية تجاه شعب برئ من سياسة حكومته.

■ ■ ■

تركنا المغفر وقد تحسنت نفسية والدتي، فطفنا في بعض مزارات اسطنبول ثم دعوتها للعشاء في مطعم "جنات" المفعم بالأجواء العثمانلية القديمة، هنالك، فوجئنا بعزف على البزق واعاني لزكي مورين مع فرقة فلكلورية اضفت على الأمسية سحرًا ماحيًا للهموم.
امضيت وقتًا ممتعًا، بينما جلست والدتي بجانبي تستغفر
:مامي، إنك تشعريني أننا في حانة ماجنة لا مطعم محترم.
:وماذا في الإستغفار اذن؟ المهم اخطريني حين الانتهاء من طعامك لكي نعود، فأنا منهكة.
:حسنًا أمي، هيا ومضينا فوجدنا "مصطفى وصبهاتن" بالباب.
خرجنا من "جنات" سعداء، فصادفنا باعة كستناء وشاورما فاشترينا، ثم عدنا للنُزُل وقد بلغ مني السرور كل مبلغ، وصوت ضحكاتي يسبقني لبهو النُزُل، وبينما كنا نتوجه للدرج، نادانا موظف الإستقبال بوجه مضطرب كمن يحمل أنباء هامة.
:داليا، مستر محمود اتصل 

كنت اتوقع اتصالًا من "محمود" موظف شركة السياحة، فلم اعر الأمر انتباهًا، فاشرت له، واكملنا خطواتنا على الدرج
فقال بنبرة تنبيهية : 
 Dalia, Mr. Mahmoud from Cairo
هنالك التفت
هنالك اعتراني ارتباك، فسكنت الضحكات، وتوقفنا عن الصعود، وتراجعنا للخلف حتى وقفنا أمام موظف الإستقبال الذي همس بصوت خافت ينبئ بأن الأمر جلل
:لا عليكما، فقد اخبرته انكم تتناولان طعام العشاء في مطعم الفندق، لكنه سيعاود الإتصال بعد ساعة 
إذن لقد تستر موظف الاستقابل علي جريرة تناولنا العشاء بالخارج.
لم انج من توبيخ والدتي التي ظلت تكيل لي الاتهامات لأني –بحسبها- أس المصائب، فأنا المحرضة على السفر دون والدي والمتسببة في سرقتها، وأنا من جعلت راعي الدكان يخصص لنا حارسان بالمجان، وأنا من الجأت موظف الإستقبال للكذب تسترًا على جريمة تأخرنا حتى العاشرة مساء.
ووسط انفعال والدتي، رن الهاتف في غرفتنا
 :ردي يا مامي
 :لا، ردي أنت أرجوك
جلسنا نتعازم، حتى امسكت سماعة الهاتف، فوصلني صوت موظف الاستقبال أن "مستر محمود" من القاهرة سيحدثنا
: الو، اهلا جنرال، كيف توصلت للفندق، أنا لم اطلعك عليه؟ 
: كنتم فين؟
: كنا نتعشى
:  فين؟
: في مطعم جنات؟
: إذن، لما قال لي الموظف انكم تتناولان العشاء بمطعم الفندق؟ كنت أشعر أنه يكذب.
: خاف من حضرتك يا جنرال، ال "الو" من فمك مخيفة، صوتك في حد ذاته مرعب.
:ماذا فعلتما بعد العشاء؟
:اشترينا كستناء مشوية وشاورما واتمشينا شوية ثم عدنا
:وكيف أموركم حتى الآن
:تمام.
: تمام؟ عمومًا، لو محتاجة نقود اخطريني حالا، ولا تقلقوا بخصوص الأوراق، سأستخرجها بمجرد عودتكما، اطمئنا،
:لا شكرا معنا نقود تكفي
: سلام.
:شكرا لحضرتك مع السلامة
 إذن لقد نبا لعلمه أمر السرقة.
بمجرد انتهاء المحادثة، طاش صوابي، فسألت والدتي هل اخطرت الجنرال باسم الفندق؟ وهل اتصلت به عقب السرقة؟ فأقسمت نافية.
عشت حالة شك من كل شيء، شعرت أن كل شيء مراقب، بدأت اشك في راعي الدكان وفي "مصطفى وصبهاتن" وفي ضابط المخفر، حتى أني شككت بوالدتي، وشعرت أن كلهم عملاء لدى الجنرال.
 ترى هل اتصل بالسفارة؟ وهب انه اتصل، فكيف له أن يعرف بأمر السرقة؟!

على أية حال؟! لن ازعج رأسي بالأسئلة، السعادة قرار، ولقد كان يتصل للإطمئنان لا للمسائلة، لما الإنزعاج إذًا؟
لن ارفض ثانية عناية الهية مرسلة لي على هيئة والد يرعى أمور أسرته في القرب والبعد، كما رفضت من قبل صحبته وحمايته وكما تهربت من معقبات مرسلة في صورة "مصطفى و صبهاتن".
مرت السفرة بسلام وعدنا للوطن، وفي مطار القاهرة، وجدت من ينادي على اسمي
:هل أنت بنت فلان؟ أومأت بالإيجاب، فأخبرني أنه موظف التشهيلات وأنه سيتولى إنهاء اجراءات السفر واستلام الحقائب، ثم سلمني لزميله الذي اخذني ووالدتي لقاعة كبار الزوار.
في السابق، كنت أجد الجنرال بانتظارنا لدى باب الطائرة وكانت سيارة صغيرة تأتي أسفل الطائرة فتأخذنا وتنقلنا لقاعة كبار الزوار وهنالك كان والدي يعانقني عناقًا يُكسر الضلوع ويرمم النفس.
 اشتقت لعناقه العنيف، والذي حرمني لساني منه.
يا لقسوة ما اودعت من صدٍ واقصاء في نفثات صمتي يوم اخبرته اني لا اريد استقبالًا في المطار.
 لكم تمردت على دخول قاعة كبار الزوار وأنا صغيرة، حتى حُرمت منها كبيرة. 
واليوم وبكل سفرة أعود بها لأرض الوطن أو لحيث أقيم، وبينما اقف في الطوابير الطويلة، اتعرق من طول الإنتظار والمس تهاوش الناس وتسابقهم لتخطي الرقاب لأسبقية الوصول، والمح من يتملق موظف الجوازات، الذي يتفحصنا متجهمًا، طالبًا اثبات بصمة العين أو اليد، ثم يسأل بريبة عن سبب الزيارة.

اليوم وأنا اطوف كالتائهين حول السير بحثًا عن حقائبي، اترحم بكل خلية في جسدي على من كان يدخلني قاعة كبار الزوار ويرحمني من وعثاء السفر وحمل الحقائب و يعفيني من الجمارك، اترحم على من تحمل جهلي ومراحي وأنا نزقة، غريرة.

■ ■ ■
مرت سنوات وقذف ربي في قلبي رغبة في عمرة، فذهبت لوالدي طالبة صحبته في السفر.
رفض فائلًا: داليا، أنت لا تريدين صحبة والد، كل ما تبحثين عنه هو محرم .. أخوك سيحرم محلي.
ولم اتشرف بصبحة والدي في سفرة للخارج بعدها ابدا .. وإني لنادمة.
لكم يعلمك السفر أنه لا أحدا يحل محل الجنرالات. 
لكم يُعلمك السفر أن السعي يُكَفِن الأحزان وأن النورس يُنسي نعيق الغربان؟
لكم يعلمك السفر أن الإخوة ليسوا بالضرورة من صلب الأرحام بل مبعثرون على اطلس، لكن تجمعهم الانسانية في مخفر، قي دكان و في الف حلقة وصل يجمعها الزمان.
لكم يعلمك الترحال أن لا تمنح ثقتك لأشباه الأقارب، فقد يكونوا عقارب. 
لكم يعلمنا الترحال أن من لظّى أشعة الشمس، قادرٌ على اغثاة تربة نفسك بسيل حتى يخضوضر الاقحوان على عشبك.
لكم يعلمك الترحال أهمية الركض، فالركود ممول للخيبة، فيما الحركة والركض شاهدا عدول على الإقتران بالنجاح.
لكم يعلمنا الترحال أن السفرات يذهبن الحسرات، كما الحسنات يذهبن السيئات.
لكم يعلمنا الترحال أن سعي المرء يُلجم خيبته.
لكم يعلمك السفر أن تتسيد حلمك، فهدفك في الحياة، عروسك في السماء، ارمي لها انشوطتك وهاتها قسرًا إلي مضجعك.
أنا اليوم بأنقرة ومتحرفة صوب سراييفو، وقد علمني اطلس مناظرة خارطة الآسى حتى يصبأ عن فظاظته أويتوه عن عنواني.

-----------------

البلقان – سرايفو- 2020