لماذا أدركنا خطورة الوباء متأخرًا؟

بقلم .... داليا الحديدي

الاربعاء 18 مارس 2020
داليا الحديدي

بحسب اثنين من أكبر علماء النفس في بريطانيا "مايرز &توينجي" فإننا كلنا بالسليقة علماء نفس.. والسبب هو وجود نزعة لا تقاوم لدى الفرد لتفسير سلوكه وسلوك الآخرين بشكل سريع يساعد على اتخاذ وتبني مواقف بإزاء التصرفات التي نواجهها آنياً، بإرجاع التصرف الذي يقوم به أحدهم لسبب أو لغرض ما.
..
وهذا الميل لتفسير السلوك يساعد المرء على توقعه ومن ثم السيطرة على المواقف الحياتية لاحقاً، سواء بمواجهته أو بتجنبه، بغية النأي عن الإساءة أو الوقوع في الضرر
فقد يتحدد رد فعل أحد الزوجين حيال تعليق جارح من شريكه او ما يسمى بال

"Acide comment"
فمثلاً: "الا يستطيع هذا الكائن وضع أحذيته في مكانها يوماً؟"
قد يترجم إلى "هذا الأنسان حاد وغير صالح للتعامل الأدمي"
على أن شريك أخر قد يسمع التعليق ذاته، فيفهمه على هذا النحو

: "من الواضح أن زوجي قد أمضى يوما شاقاً بعمله".
..
..
الأول استسهل ادانة ودمغ الشخصية بخصال ثابتة لها صفة الديمومة في تصرفاته ما سيؤثر سلباً على نزعاته في التعامل معه لاحقاً ما ينبئ بمشاكل قد تؤدي لتقويض العلاقة الزوجية
أما التفسير الثاني فقد حصر الإهانة في سياقها أخذًا في الاعتبار الضغوط اليومية التي يتعرض لها الشريك، ما قد يبشر باحتواء الموقف سيما لو لم يتكرر بشكل يعنون أن هذا المرء ديدنه التسفل.

■ ■ ■

والمُشكل بحسب "مايرز" أنه قلما يتمكن المرء من التحكم في رؤيته للأمور التي تخضع غالباً للحدس والانطباعية.. هذا الحدس يشكل مخاوف الفرد ويجسدها بل يضاعفها بناء على ما استند عليه من فهم في عقله اللا واعي.

..
 

وقد أكد فرويد أن التفكير يحدث سريعاً في كواليس النفسبشكل ارشادي، عفوي واستدلالي عن طريق العواطف الفورية والإتصال غير اللفظي والتعامل مع المواقف على مستويين واعي وآخر فاقد للوعي وآلي.
■ ■ ■


 

وقد أشار الى هذه "المعادلة المزدوجة " عالم النفس "دانيال كانيمان" صاحب الجملة الشهيرة
” We know more than we know we know"
..
..

المعضلة الحقيقية في اننا نميل لتفسير المواقف تفسيراً فطرياً بالحس السليم

 Common sense
والغريب اننا لا نستخدم هذا الحس إلا لاحقاً بعد تيقننا من النتائج فتظهر الجملة الشهيرة:

 "كان قلبي حاسس" أو "كنت شاكك، لكن متأكد"
فبحسب "مايرز":

 "Events are far more “obvious” and predictable in hindsight than beforehand"

أي ان الأحداث تكون أشد وضوحاً وأكثر قابلية للتوقع بالإدراك المتأخر، فحينما يـتأكد الانسان قطعياً من النتائج، فيتولد لديه شعوراُ أن الموضوع كان بديهياً للغاية فيتعجب "كيف فاتتني!".
فأكم من امتحان أجريته ثم تخرج من القاعة واثناء مناقشتك مع زملاؤك تدرك الإجابة الصحيحة دون أن يخبرك أحد بها، فتتأكد أنك اجبت خطأ رغم علمكبالإجابة الصحيحة .. لكنك أدركتها بعد فوات الأوان!

وقد قالتها الفيلسوفة الدانماركية "سورين كيركيغارد"

:"إننا نعيش الحياة إلى الأمام، ولكن نفهمها بأثر رجعي للخلف".


■ ■ ■

فأكم من موقف مر عليك وخرجت منه ثم قلت لنفسك

:"كان على أن أرد بهذا القول الحاسم أثناء الحدث نفسه"

 على أنك لم تستدعى الإجابة الصحيحة في حينها!
..
-أكم من طبيب أهدر سنوات من عمره لدراسة الطب، ثم درس ثانية لنيل ماجستير والدكتوراه، و بعد كل ذلك،يهجره ويختار العمل بمجال الأدب أو الفن لأنه أدرك طريقه متأخراً.. ويقول في نفسه:" اما كانت أمي تخبرني  دوماً أني رائع في الرسم.. كيف لم الحظ ميولي الفنية إلا متأخراً؟"
■ ■ ■

- أكم من زوجين عاشا دهراً مع بعضهما ثم اكتشفا أن كلاهما مع الشخص الخطأ وأنهما لم يوفقا في اختيار شريك العمر، فيقع الانفصال في الوقت الضائع من العمر.
 

■ ■ ■

- أكم من مريضة على قدرٍ عالٍ من التعليم والثقافة ذهبت لطبيب وكشفت لديه، ثم هالها ما سمعت عن سوء سمعته لاحقاً، ففهمت أن ما شعرت به أثناء كشفه لها لم يكن لأغراض طبية فتدرك متأخرًا، أنه كان يحاك لها عملية تحرش مستترة!
■ ■ ■

- أكم من أخت أو زوجة او سواهما وقّعوا على توكيلات عامة تجيز للموكلين التصرف التام في ممتلكاتهم بل وفي خيارتهم وقراراتهم، ليدرك المُوَكل لاحقاً انه قد تم استنزافه عاطفياً واجتماعياً للتوقيع باسم العرف او تحت ضغوط مورست للإثبات الثقة وإلا نُعت بالتخوين!

■ ■ ■

- وأكم من خل استقرض سلسلة من القروض من خله، ليدرك المقرض لاحقًا أنه قد تم استغلاله مادياً للحصول على لقب "الخل الوفي".

:"وهات أي شيء معك وأنت جاي من السفر ولو سبحة كهرمان "جرام الكهرمان يقارب ثمن جرام الذهب.
فتهدر عقود من عمر وعقود من كهرمان ومن نقد، إلى أن يتبين للمغفل أن صديقه استغله واشترى عقار تمليك بينما المقرض يسكن بإيجار.. فيفهم الأخير -أخيراً- أن العلاقة لم تكن صداقة بل حماقة!

■ ■ ■

- كثيراً ما تنهض قوة السند الإجتماعي فتقودنا لإجراء تصرفات تخالف قناعاتنا وقلما نفهمها إلا لاحقاً، ما يفسر سهولة الاعتداء الجنسي على الأطفال من قبل المحارم من ذوي القربى، المدرسين، وأحياناً الخدم بما يحملونه من سند مجتمعي وقرابة وموثوقية تجعل الصغار يقعون بسهولة في براثن جرائمهم.

■ ■ ■

- حتى الدول قد تقع في فخ الفهم المتأخر حين تتهاون في أخذ التدابير اللازمة إذا تجاهلت التحذيرات المتعلقة بتصحيح سياسات معينة، كما حدث في أمريكا بعد كارثة النفط في الخليج 2010 ، فمعظم المتخصصين قالوا ان إجراءات تصحيح السوق بدت واضحة لكن بعد فوات الأوان.

■ ■ ■
 

-وقد اعترفت "جولدمائير" انها أخطأت التصرف حيال الأخبار التي أفشاها لها الملك حسين عن موعد الضربة المصرية- السورية لها.. فخسرت حرب تشرين لسوء تقديرها اثناء الحدث ثم تداركته لاحقاً.. فلم تكن تستوعب أن ملكاً عربياً يشي بهكذا خبر عن بني قومه.. على أنه فعلها واعترف علناً بذلك خشية توريط بلاده في حرب لا يحتمل عواقبها فكان كمن يبرئ ذمته أمامها.. إذن، فحتى على مستوى الدول لا تتضح الرؤى–أحياناً- إلا متأخراً!

■ ■ ■
 

ورغم ثقة الانسان بآرائه وبالجوهرة الموضوعة أعلى جسده والمعروفة بالعقل، الا أن كثر من البشر تختلط عليهم الأمور ولا تتضح الرؤية وهم في خضم الحدث.. ولكن بعدما ينأون قليلًا عن الموقف، تتضح الرؤية جلية وتظهر الإجابات الصحيحة ،كما تبدو شديدة البداهة، فيدرك الانسان متأخرا أن فلان لم يكن صديق بل متربح وأن علان لم يكن يحبه، بل كان يحب المكتسبات التي يتحصل منها من خلال صداقته.
■ ■ ■
 

و قد رأينا أعدادا ليست قليلة لاتولي اهمية لاخذ تدابير وقائية لوباء ككورونا  في اول الامر بل وصل الامر للتعامل مع المرض الخطير بشكل ساخر.. فالغالبية فهمت بشكل متأخر جدا ، أن الامر جلل و ان اخذ الاحتياطات منذ البداية كان سيوفر إزهاق الأرواح!

وقد يشعر الانسان في ظل وجود وباء عالمي أن المشكلة تتعلق بمسألة تعقيم وفيروسات ومؤامرات دولية، في حين يتأخر البعض في فهم أن غلق بيوت الله في وجه البشر يعني أيضًأ غضب شديد من رب العباد يستوجب اعادة النظر في العلاقة مع الله وفي نفس الوقت الأخذ بالأسباب؟


ومن هنا فلندع بدعاء الرسول(صلى الله عليه وسلم):

"اللهم ارنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه.. وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه".