يوم تهًت مع د. جلال أمين بالأوتوستراد

بقلم .... داليا الحديدي

الثلاثاء 25 فبراير 2020
داليا الحديدي

 

صغيرة كنت حينما اعتقدت كسواي أن المعرفة ما هي إلا إضافة معلومات جديدة لأجهزتنا الإدراكية أو إضافة ما نستخلصه من تلك المعلومات.. و من ثم، فقد عشت هنيهة طويلة من العمر شأني شأن هواة جمع الطوابع، يستهويني جمع كتب المعلومات العامة، لإعتقادي أني كلما جَمّعت معلومات كثر، ازددت علماً.. وبمرور الوقت التبس الأمر عليّ، وبات هذا اليقين يتزعزع.
..
..
ثم زارني عشية احدى الليالي هاجس لحوح يصر أن الزخم المعرفي ُيشتت الإدراك عوضاً عن اثرائه، لكني لم أكن لأجرؤ على الجهر بأن النهم المعرفي على إطلاقه قد يكون له عواقب سلبية، إلى أن قرأت جملة لعالم الاقتصاد المصري  الراحل الدكتور "جلال أمين" في كتابه "مكتوب على الجبين" حين كشف عن خاطر زاره هو أيضاً حينما تاه في دروب الطريق السريع بمدينة "لوس أنجلوس" بالولايات المتحدة رغم وجود عشرات اللافتات التعريفية التي من المفترض أنها كانت لتساعده على وصول ميسر لهدفه، إلا أن إصراره على الاطلاع بدقة على كل ما هو مكتوب في تلك اللافتات زاده تيهاً كما تيه اليهود لأربعين بصحراء سيناء.
..
..
الشاهد أنه كتب يؤكد:" أن المعرفة ليست إضافة معلومات جديدة .. بل هي في الواقع، عملية استبعاد بعض المعلومات من الكمية الضخمة من المعلومات المطروحة عليك".
فقد اتضح له أن ما ارتكبه من أخطاء لم يكن بسبب قلة التوجيهات والإشارات والمعلومات التي اتبعها أثناء سيره، بل كثرتها.. كما تبين له لاحقاً أن هناك لافتات يتحتم الالتفات إليها، وأخرى من الضروري تجاهلها.

.... Mind At Large..................

وكأنما كنت ابحث عمن يعضد هواجسي ويثبت صحتها، لذا، فكما فرحت بمقولة د. أمين، بالتوازي بت أكثر سعادة حال اطلاعي على طرح الفيلسوف "هنري برجسون " في مناقشته للعلاقة بين الذاكرة والادراك الحسي سيما حينما ذكر التالي:
" إن وظيفة المخ والجهاز العصبي والحواس هي في الأساس "استبعادية " (eliminative) وليست انتاجية أو اضافية

 (productive)

فكل شخص لديه قدرة على تذكر كل ما مر به من تجارب وأحداث، عدا قدرته على إدراك كل ما يحدث في أي مكان في العالم.

هنا تبرز وظيفة المخ هي حماياتنا من الغرق والضياع وسط خضم تلكم الكمية اللا نهائية من المعارف التي لا طائل منها ولا تعنينا في شيء، وذلك بأن يستبعد من أذهاننا الجزء الأكبر مما نتعرض له من مدركات وذكريات في أي لحظة من اللحظات تاركاً فقط ذلك الجزء الصغير والمختار بعناية، والذي يكون ذا فائدة عملية لنا .. فكل شخص منّا، يحمل ذهناً ضخماً )Mind at Large)

 ويجب أن يمر ذلك الذهن الضخم من خلال" فلترين" صمام المخ والجهاز العصبي، فلا يسمح بالخروج من هذا الممر إلا لجزء ضئيل للغاية يمثل ذلك النوع من الوعي الذي يساعدنا على البقاء.
 

اهمل دروسك تنجح....... ...............

..

 - فالطالب المتفوق ليس ذاك الذي يمتلك القدرة على مذاكرة كل دروسه كلمة، كلمة، بل ذلك القادر  على التركيز على المهم، والضليع في اسقاط ما لا طائل منه.. وكنت في مرحلة سابقة أقارن بين المعرفة الرأسية ونظيرتها الأفقية، فكنت أجدني منساقة بسبب دراستي العلمية الأولى (الإعلام) و التي كانت تقودني لاتجاه المعرفة الأفقية - من كل بستان زهرة- إلا انني  بعد ذلك ملت للتعمق المعرفي من خلال معرفة رأسية لفرع واحد من العلوم (التخصص).

على أنني أعترف بأنه قد تبين لي أن النجاح في تحصيل معرفة أفقية أو رأسية رهين بتطبيق نظرية المعرفة بالسالب لا بالزائد.
 

وصايا مشرفتي البريطانية 

- ولن أنسى أهم وصايا مشرفتي البريطانية بالجامعة:

" ستجدون يومياً ببريدكم عشرات الرسائل التي ستغريكم بفتحها.. فالانتقاء واجب".
وستدخلون المكتبة فتفاجئون بآلاف الكتب.. فالاختيار صعب.
وستمشون في ردهات الجامعة لتقابلون عشرات الطلاب محملين بمشاكلهم وقصصهم وأكاذيبهم و استغلالهم الصريح و المبطن .. فالتجاهل ضروري.
كما ستجدون في ورقة الامتحان أكثر من سؤال .. فامنحوا الأولوية لمن له نقاط أكبر. والنجاح منوط بقدرتكم على التمييز بين الهام والأقل أهمية والهامشي مع تقدير الوقت وتحديد ما يجب استبعاده كما والالتفات للأولى.. والنابغة هو من لا يحتار حين يختار".
..
..
- "من كثرة عرساانها بارت"، كنت أحسبه مجرد مثل شعبي، لكن يبدو أن الانسان حينما تتناثر على أرضه ثمار الخيارات، فإنه يزهد فيها ولا تسعفه معرفته، فيتشتت ويحسب أن حاله في ديمومة الفلاح ويتناسى قانون التغير الذي وحده لا يتغير.
..
..
Déclutter

- لطالما يكرر الفرنسيون هذا المصطلح والذي يعني ضرورة "معرفة" كيفية التخلص من كراكيب حياتك، كراكيب مكتبك لتصفى بصرك فتعين بصيرتك وتساعدك على رؤية وتفكير أعمق.
كراكيب مطبخك، ليتسع المكان ولا تتخبط فتختنق نفسياً من الضيق.
كراكيب المنزل، فيبدو مرتباً فتهدأ وتنأى عنك الطاقات السلبية وتُشحن بطاقات إيجابية.
كراكيب المنور من كراتين وأسلاك وأكياس وأجهزة تالفة، فينظف المكان وتنعدم الحشرات فتنعم بالنظافة.
كراكيب خزانتك، فتمنح ما لا تحتاج من دثر لسواك فيدعون لك فيستجيب الله ويقيك مصارع السوء.
كراكيب أناس يؤذون أكثر مما يحسنون، يستهبلون، يظلمونك بملايين ويسألونك الصفح ببوست مجاني نظير بلا ولا شيء " قبلة مقابل قبلة"، لإعفائهم  مجانا من الشعور بالذنب

 déculpabilisation

لتهدأ روحك وتقصي عنك السالب من البشر. فلا تهدر عمرك وأعصابك في تبرير، شرح وعلاج محاولات تحطيمية.
..
..
الفرق بين الصيق و السنيد

- لقد خلق الله زهاء سبعة مليارات يزاملونك البشرية. لذا، فقد يكون متابعينك على تويتر والفيس بوك بالآلاف، وأصدقاء المدرسة وزملاء الجامعة بالمئات، كما ورفقاء العمل بالعشرات، على أن أهل ببيتك قلة لكنهم سيلزمونك في مرضك وسيصاحبونك لقبرك و بعضهم سيدعون لك بعد وصولك لدار الحق.
وليس أغبي ممن تتيح له "معرفته" بالتصدق بوقته للكثرة، للكم على حساب الكيف، فلا طاقته ولا إمكاناته ستتسع لسبعة مليار من البشر ولو كان بثراء وسلطة "ترامب".
لذا، فـ"معرفتك" للصالح ستُحتم عليك إقصاء كم مهول من المليارات السبعة لتتضح الصور أمامك فتختار من تستأمنه كصديق .. فتقربه،
ومن يراك كسنيد .. لتستبعده.
ومن تحتاجه كشريك حياة.. فتتزوجه.
ومن يدخرك فقط لعثرات السلف.. فتتجنبه.
ومن يتصل بك في مسرات التلف .. فتحذره.
ومن وجوده حاصل كذابين الزفة .. فتشطبه.
ومن يسارع لمجاملة من قهرك.. فلتهجره.
ومن ضغط عليك لتوقع على توكيل عام يظلمك.
ومن يهبك من فتات قلبه فيصدمك.
ومن مهما ظلمك فلن يتصل بك الا إذا ذاق عقوبة رب العالمين.. فصله برسالة نصية في المناسبات.
ثم من هو المُخْلَص الذي صدقاً يحبك ويكرمك.

قانون قديم .. الكيف لا الكم 

- أما لو قياسك للمعارف بالكم، فعدد الرمل قلوب ونساء.. فاكبش ما تشاء وستهدر العمر هباء.
لكن نجاح علاقاتك يكمن في "عدم الصهينة "عن معرفة من تستبعد من دائرة محيطك قبل معرفتك لمن تجذب لعمق هذا المحيط .. كي لا تضل كدكتور جلال أمين في أوتوستراد أمريكا.
..
..

البوفيه المفتوح

- هب أنك تتناول عشاءك في بوفيه مفتوح وأمامك وفرة من أطايب الطعام المُنَوع والشهي، ألن تعتقد أن الأمر محمدة؟
ألن تود لو طال بك الأمد بإزاء هذه الموائد الممتدة بأصناف شتى مبهرة؟
ألن تسعى لأن تستفيد بأضعاف ما ستدفع؟
لكن الشاهد أنك لو لم تحسن إنتقاء ما يناسبك، اجادتك لاستبعاد ما يضر بصحتك، لكان الأمر مهدداً لصحتك.. وثق أنك ستخرج من هذه الوليمة ناقمًا كونك لم تنل ما كنت تأمل في التهامه كما ستحنق على من انقضوا على "الاستكوزا" و"الفوا جرا" والقريدس.


ما يعني أن قدرة البوفيه المفتوح على اشباعك غدارة .. بيد أنك لو عدت لدارك خلال يوم عمل عادي وأنت عليم أن الغذاء المحضر بالبيت هو البازلاء والجزر مع الأرز مضاف اليه مقدار من الضأن، فإنك ستُهيئ نفسك لهذا القدر من الغموس. وبالتالي سيتحقق لك الاشباع الفوري كون المتوقع متاح كما أن المتاح متوقع، رُغم علمك بأن في العالم أضعاف تلك الأصناف، على أن الاشباع تحقق لك بأقصائك الفكري لما لا تنتظره أو تتوقعه.
..
 

التسوق من حي الزمالك

- كنت في صباي اتسوق مع عائلتي من حي الزمالك لشراء حذاء وكلما كان المعروض في "الفترينة" كثيرا و متنوعا، التبس عليّ الأمر، كما كنت أتشوش كثيراً من ضغوط البائع، المبرمج على التدمير الذاتي لكل مشاعر الشفقة والرحمة لديه، مقابل سعيه اللحوح للتأكيد على أن منتجه هو الأفضل والأنسب لي لدفعي للشراء، ولو كان الحذاء ضيقا لكن سيتسع بالمشي بحسب رأيه، وإن ضحى بآلآم أقدامي التي لا تعنيه ولن يأبه لها، ناهيكم عن ضغوطات والدتي التي توافق البائع -- فقط - لتستعجلني بالانتقاء قبل نفاد صبر والدي ما سيجعل الفرصة تفوتني ولربما " تتدبس" هي في ثمن الحذاء.. هذا عدا ضغوط الوالد الذي يحثني على اختيار الأرخص.
..
..
 - وخلاصة تلك التجارب تُعلمنا أن على أجهزتنا الادراكية ومعارفنا أن تعينُنا في لحيظة من الزمن للإدراك والتمييز بين الآراء المعرفية التي علينا استبعادها، ولو صدرت من المقربين، والأخرى التي علينا أن ندنيها أو نمررها دون أن تلتبس علينا كي لا نُقمع نحن على لبس أحذية ضيقة تُقَطِع أقدامنا في دروب الحياة، أو لبس خيارات أسوأ كزوج أو دراسة أو وظيفة أو سواهم من خيارات على مدى العمر.

صدقاً، إن شرعت في اشتباك قوي في خضم الحياة، فلتتسلح بمعرفة حرة من تأثيرات الغير -ولو مقربين- فتضيف المفيد وتهمش المشوش.