: نيران صديقة .. دراما العنف والإيحاءات 

بقلم .... د. أماني ألبرت

الاثنين 27 مايو 2019
د. أماني ألبرت

في تطور غير مسر، انقطع التواصل بين أفراد الوحدات العسكرية وأصبحت كل وحدة منعزلة عن الوحدة الأخرى. جاء لإحدى الوحدات إخبارية بتمركز جيش الأعداء في مكان محدد فتحركت لضرب العدو بشكل مفاجئ. وبينما هي في طريقها لضرب العدو رصدت وحدات جيشها تحركات مريبة وقامت بتوجيه ضربة استباقية لهذه التحركات التي ظنتها من العدو، وأمطرتها بالقذائف والرصاص التي أودت بحياة كل جندي في الوحدة. وبينما كان الجنود يلفظون أنفاسهم الأخيرة قتلتهم الحسرة إذ كانت فوارغ الرصاص صادرة من جيوشهم.

قمة العار أن يهاجم الجيش جنوده عن طريق الخطأ. قد تخسر الجيوش معارك ضخمة بسبب الاستهتار أو عدم الكفاءة. وهو ما تفعله الدراما في مجتمعنا. ففي الوقت الذي نجلس منتبهين لنشاهد المسلسلات ونتوقع أن تنقل لنا الدراما فنًا راقيًا ممتعًا، نجدها تهاجمنا بألفاظ سوقية وعبارات خادشة وعنف مقصود و وإيحاءات جنسية وحض على الكراهية والتنمر وإفيهات ساذجة وخارجة.

وبدلاً من أن نستخدم القوة الناعمة لتسويق مجتمعنا، استخدمناها لهدمة وتفتيته. وبعد أن كانت الدراما المصرية لها اعتبارها، تصدرت دراما هندية وتركية وسورية وكورية وسحبت المُشاهد تدريجيًا نحوه. لتقدم دراما أفضل حالاً تحمل فكرة وهدف وتسعى لزرع قيم وتصدر الجمال لا القبح. 

تذكرنا مسلسلات مثل ليالي الحلمية والمال والبنون وغيرها بروعة الأعمال الدرامية المصرية والتي إذا قارناها بالحالة الراهنة سنغني نفس كلمات سيد حجاب ’’ومنين بيجي الشجن.. من اختلاف الزمن‘‘! 

صحيح تغير الزمن، قبلاً كانت المسلسلات تهدف لزرع قيم إيجابية ولكن وضع الدراما الحالية يملأ بالشجن إذ أنه يهدم هذه القيم. وهناك الكثير من الأعمال منقول حرفيًا من أعمال أجنبية وللأسف يتم الاقتباس ’’السرقة‘‘ دون الإشارة لصاحب القصة أو مصدر العمل. الأمر الذي نكتشفه بالصدفة وبعد أن يتم الإعلان عنه يتجاهل القائمين على العمل بتبجح الموقف وكأنه أمر عادي!

وتبقي كلمات سيد حجاب ’’ومنين بيجي السواد .. من الطمع والعناد‘‘ فقد أصبح الهدف الأساسي للدراما طمعًا في تحقيق المكسب المادي بغض النظر عما تقدمه. أفكار متشابهة، تعميم لثقافة العري والإيحاءات الجنسية والألفاظ النابية إغراق الجمهور في مضمون تافه تصدر الفهلوة والعنف وتخاطب الغرائز والرغبات.

لماذا لم نعد كمشاهدين نستمتع بالأعمال الدرامية؟ لماذا لا يعكف الكُتاب على أعمالهم؟ لماذا لا يبذلون المجهود لتنقيته من الألفاظ الخارجة والإيحاءات؟ ولماذا لا يقدمون لنا نماذج جيدة بدلاً من مخاطبتنا بالضرب والعنف؟ ولماذا يغرقون العمل الدرامي في البؤس الشديد دون تقديم عرض متوازن للأحداث؟ أو لماذا يسطحون المضمون فيبقى بلا هدف؟ 

والجمهور واقف يتلقى ضربات النيران الصديقة، ويعاني من انعكاس ما تقدمه الدراما على الشارع، من انحدار أخلاقي وثقافي. 
هذه الـ لماذا وتلك الـ لماذا تأتي بسبب نظرة سريعة على مضمون المسلسلات في رمضان، تُرى هل سنتمكن كمشاهدين من تسمية 5 مسلسلات فقط خلت من التفاهة والقبح والعنف وقدمت أحداث هادفة؟ أعتقد أنها أمنية بعيدة المنال.