بالحسنى

الصدق الفني

بقلم .... فريد ابراهيم

السبت 07 ديسمبر 2019
فريد ابراهيم

قال لى بعض الاصدقاء في نقاش حول مقالى " المقال وروح صاحبه إنه ليس شرطا أن يؤمن الكاتب بفكرته التي يسوقها فى مقاله حتى يتأثر بها القارىء ، بدليل أن كاتب القصة قد يتناول فى قصته أحداثا لم تحدث معه شخصيا ويصدقه الناس وهو يتحدث باعتباره بطل القصة ،كما أن كثيرًامن قصائد الحب والألم والحرمان والسعادة لاعلاقة لها بواقع الشاعر إلا أن الشاعر يقدمها وكأنه يعاني ما فيها ويتأثر الناس بهذه المعاناة، وضربوا  لى الامثال التى لاأختلف معهم فيها .

والحقيقة عندما قلت أعذب الشعر أصدقه وليس أكذبه وعندما قلت: لا بد للمقال أن يكون به من روح صاحبه حتى يصل إلى قارئه ، فإنني قصدت ما أقول أي أن الإنفعال بالفكرة والايمان بها هو أصل التأثير،و أستطيع أن أؤكد كلامى بنفس ما يعتقده أصدقائي وبما أخبرنا به قرآننا ورسولنا صلوات الله وسلامه عليه وبما يشهده الواقع.فعندما يقول الله تعالى: وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَوَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَۚ  أُولَٰئِكَ هُمُالرَّاشِدُونَ " فهؤلاء اجتهدوا وقاوموا الزيغ والزيف حتى صار الايمان حبا يملأ قلوبهم وسجية لايشعر صاحبها بمعاناة الالتزام لأنه صار من أخلاقه . وفى موطن آخر لفريق آخر يقول عنهم:" وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ" وأولئك أيضا اتخذوا من الكذب  منهجا وجاهدوا من أجل ذلك حتى طبعت قلوبهم بهذه السلوكيات الى درجة أصبح من الصعوبة كشفهم لأنهم طبعوا على النفاق وأساليبة أى انهم صاروا فى صدق مع ما هو مزروع فى قلوبهم أي انهم يؤمنون بما يقولون من كذب وخداع كأنه الحقيقة. ومن هنا قالوا "إنه يكذب الكذبة ويصدقها "لأنه يرددها ويسعى فى نشرها بكل ما أوتيويتمنى من كل جوارحه ان تكون هى الحقيقة حتى تبدوا الكذبة فى نظره كأنها الحقيقة فإذا حاول أحدهم إعادته الى الصواب فشل فى اقناعه بالصواب لأن الكذبة ملأت عليه كل جوارحه .

وقد أشار الى ذلك الرسول صلوات الله وسلامه عليه فى قوله" عليكم بالصِّدق، فإنَّ الصِّدق يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنَّة، وما يزال الرَّجل يصدق، ويتحرَّى الصِّدق حتى يُكْتَب عند الله صدِّيقًا. وإيَّاكم والكذب، فإنَّ الكذب يهدي إلى الفُجُور، وإنَّ الفُجُور يهدي إلى النَّار، وما يزال الرَّجل يكذب، ويتحرَّى الكذب حتى يُكْتَب عند الله كذَّابًا) . يريد أن يخبرنا أن الاصرار على الصدق أو الكذب من شأنه أن يطبع أحدهما جوارح الإنسان فيكون خلقا وسجية من الصعوبة بمكان التحلل منها فإذا حاول الصدوق أن يكون كذّابا فشل فشلًا ذريعا ولم يستطع وضاقت نفسه بما يريد أن يكلفها بما هو عكس طبيعتها، كذلك إذا حاول الكذوب أن يكون صادقًا فشل وعاش فى معاناة طويله حتى يخلص نفسه من الكذب الذى صار خلقا له .

وعندما يتحدث هؤلاء الذين مردوا على الكذب فإنهم لا يكونون فى حالة كذب أمام انفسهم وإنما فى حالة صدق مع طبيعة النفس.

هذا الذى أقوله قد نجد ما يؤيده فى أمر فنى له احترامه وهو الممثل الدامى او الكوميدى الذى يحتاج الى وقت للإندماج فى دوره المكلف به حتى يعيش حياته وكأنه هذه الشخصية التى يؤديها حتى يجيد اداءها بل أن بعضهم يظل متقمصا للشخصية فترة ما بعد انتهاء دوره وبعضهم يرفض أعمالا أخرى أثناء تمثيله لدوره حتى لايفقد شعورة بالشخصية التى يؤديها وهو مايسمونه الصدق الفنى وكذلك الشاعر الذي تتلبسه حالة الشجن أو الحزن أو الفرح والامل والحب وهو يكتب قصيدته التى قد تكون لاعلاقة لها بواقع الشاعر فإذا قرأها قارىء لم يخامره شك فى أن الشاعر يتحدث عن نفسه كذلك القاص . لكن الناس تعرف أنه شاعر وأنه ممثل وأنه قاص لكنها لاتعرف أن كاتب المقال ممثل .  

إذن فإن الصدق الفني الذى قصدته فى أعذب الشعر أصدقه هو الإنفعال بالحدث انفعلًا يجعل فى كل كلمة منه روح المنفعل ومشاعره .كذلك فى المقال ..فأنا أتحدث عن الإنفعال بما نكتب ومانقول أم أن يكون صاحب المقال مؤمنًا بما يقول أو غير مؤمن فأمره الى الله خاصة أن المقال لايؤخذ باعتباره قصيدة أو قصة وإنما باعتباره وسيلة تنوير تعتمد الصدق فى كل أحداثها إلا إذا اشار الكاتب أن للخيال فيما يقوله نصيب