بالحسنى

بقية أهل بيتي

بقلم .... فريد ابراهيم

الثلاثاء 28 يناير 2020
فريد ابراهيم

 

عندما أسرها من أسرها، لم تكن تدرك أنها في طريقها إلي النجاة بنفسها من الجاهلية إلي النور.. لم تكن تعلم أنها تســتعد لجنة عرضها الســماوات والأرض، لــم تكن تعــرف أن حرمانها مــن ذويها واقامتها بــأرض لا أنيس فيهــا تعرفه، ولا ونيس يخفف مــن آلام غربتها بداية وهداية.. لم تكن تعرف أن ســبيها هذا هــو طريقها لأن تكون حاضنة لســيد البشــر وراعية لأعظم الخلــق وزوجًا وأمًا لشــهيدين وكذلك أمًا لقائد عســكرى تحرســه الملائكة، وتحــارب دونه وتباركه الســماء ،يؤجــره الخالق كلما خطا ،وتعفــر جبينه في ســبيله، مناقحًا عن دينه، دافعا للمتعدين عليه المحدقين به.. قائد عســكري بأمر ســيد ولد آدم. لم تكن تدري أن أذنيها ستســمع كلمة يا أمي من المختار المعصوم الذي لا ينطق عن الهوي.

بينما كان جيش أبرهة الحبشــي يترنح بين مستســلم لقضاء الله فيه بأرض مكــة الحرام ،يكابد ســكرات الموت وآلام الاحتضار، وبيـن فار ببدنه، أعظم أمانيــه أن يبلــغ بلده وينجو مــن الإصابة بمــا اصيب به أقرانــه، وبين فار بإصابتــه ،يتمنــي لو يموت في بلده بــبن يدي من يتألم له ويبكــي عليه.. كان هناك من سقط فى الأسر والسبي ،ومن بين هذه السبايا "بركة" التي وصلت إلي عبدالله بن عبد المطلب وورثها نبينا صلوات الله وسلامه عليه.

لــم تترك بركة بيت عبدالله بن أبن عبد المطلب فلازمت زوجته آمنة بعد موته في يثرب لدي اخواله وعاشــت معها تأتمر بأمرها وتســهر على راحتها وشهدت مولــد النبي صلوات الله وســلامه عليه وما كان من بركات ومعجزات أثناء وقبل وبعد مولده وعاشــت مع أمه

لحظات انتظارها له في زياراته لها بين الحين والآخر فترة إرضاعه في بني ســعد فلما عاد من بني ســعد ليقيم مع أمه كانت بركة حاضنته وراعيته، بل كانت معه ومع أمه في زيارتهما لقبر والده بالمدينة ،ولما توفيت أمه في طريق العودة بمنطقة تســمى الإبواء تولت مســئوليته كاملة حتي عادت به إلي مكة ليتولــي رعايته جده عبد المطلب يعوضه عطف ابيه وتعوضه بركة حنان أمه..

ظلت بركة ترعي ســيد الأنام وتســهر علي راحته حتي تزوج السيدة خديجة فكانت هديته لمربيته أن أعتقها فتزوجها عبيد بن يزيد الخزرجي وســافر بها إلي المدينة وولدت له أيمن الذي اشتهرت بكنيته "أم أيمن" فلما توفي زوجها لــم تفكر فى البقاء بالمدينة أو العودة إلــي بلدها وإنما عادت إلي مكة حيث يوجد فيها رســول الله صلي الله عليه وســلم الذي صار لها بمثابة الابن ولم يتوقــف عن زيارتها ورعايتها وكانت خامس من أســلم مــن الناس وتزوجها زيد بن حارثة حب رســول الله وربيبه عندما سمع رسول الله صلى الله عليه وســلم يقول: "من ســره أن يتــزوج أمرأة من أهــل الجنة فليتــزوج أم ايمن"

فانجبت له أســامة بن زيد قائد أكبر الجيوش بتكليف من رســول الله صلي

الله عليه وســلم والذي خرج من المدينة ولم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره يمتطي فرســه وفي وداعه ســيدنا أبوبكر الصديق وسيدنا عمر مشاة بجوار جواده فلما حاول النزول إجلالًا وإكبارًا لهما رفضا أن يفعل.

شهدت أم أيمن أيام المسلمين وهاجرت مع من هاجر إلي الحبشة ثم المدينة

وشــاركت في يوم "أُحد" فكانت تداوي الجرحي وتســقي العطشــي ولما رأت جيش المســلمين مهزومًا حثت التراب في وجوه المهزومين وهي تقول لبعضهم هاك المغــزل فاغزل به ،وهلم ســيفك أي خذ آلة الغزل التي هي من أدوات النســاء واعطني الســيف الذي هو من أدوات الرجال واسرعت إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم تطمئن عليه.

في يوم "خيبر" كانت بين عشــرين سيدة شــهدن هذا اليوم وكذلك يوم مؤتة الذي تلقت فيه خبر استشهاد زوجها زيد بن حارثة أحد المهاجرين والمؤمنين الأوائل ورواة الحديث فتلقت خبر استشــهاده مؤمنة محتسبة وفي يوم حنين الذي شــهدته أيضا تلقت خبر استشهاد ابنها ايمن فتلقته صابرة محتسبة.. فلما توفي رسول الله صلي الله عليه وسلم كانت هناك تبكي ابنها الذي ربته ومنقذها من العبودية للبشر ومن الشــرك بالله ومبشرها بالجنة ومناديها بيا أم وزائرها المداوم علي زيارتها دون أن تشــغله أعباء الرســالة عنها.

كان رســول الله صلي الله عليه وســلم إذا تحدث عنها قال "أنها بقية أهل بيتي"وكان يقول "أمي بعد امي" ، وكان يســعد بالمزاح معها.

بعد وفاة رسول الله قرر ســيدنا أبوبكر وســيدنا عمر زيارتها مثلما كان رســول الله صلــي الله عليه وســلم يفعل فلما رأتهما أجهشــت بالبكاء فقالا لها مــا يبكيك.. فما عند الله خير لرســوله فقالت: أعلم ولكني أبكي انقطاع الوحي من الســماء بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم.

أُختلــفَ فــي زمن وفاتهــا فقيل بعد وفاة رســول اللــه صلي الله عليه وســلم بخمســة شهور وقيل سنة وقيل بعد وفاة ســيدنا عمر بعشرين يوما وقيل أول خلافة ســيدنا عثمــان رحم الله ســيدتنا أم أيمن نالت مــا يناله الصابرون ومنحت بالإسلام ما لم تمنحه الكثيرات.

[email protected]