بالحسنى

طه حسين والرافعى

بقلم .... فريد ابراهيم

الجمعة 14 فبراير 2020
فريد ابراهيم

 

أغرب ما يلاحظة المتأمل أن يجد أعداءنا يسعون بكل وسيلة لإحياء ماضيهم الضئيل المتهافت من لغة وتاريخ ودين وتقاليد بل أنهم يسرقون ثقافة وتقاليد الشعب الفلسطينى وينسبونها إلى أنفسهم ثم يجد المتأمل فئة من بيننا تريد لنا أن نتنكر لتراثنا بكل ما فيه حسنه وسيئه بل تريد لنا أن ننخلع من لغتنا لأنها ليست مناسبة ومعيقة للتجديد المطلوب ولا أدرى كيف للغة استطاعت أن تفي بآي القرآن الكريم ولا تستطيع أن تفي بتجديد يدعيه البعض فيبشرون به ولا يذكرون تفاصيلة أو أطره وسيظلون كذلك .ولا يتوقف الأمر عند ذلك بل أنهم ينكرون كل تطور فكري حدث فى عالمنا الفكرى والثقافى بما فيه من تجديد للفكر الديني والخطاب الدينى وهو تجديد ينقله عن مصر الآخرون ويشيدون به .

ولا أدرى أن أمة من الأمم تنكرت لتراثها جملة واحدة ثم حققت ما تصبوا اليه من رقي . ويصبح السؤال : هل الهدف هو التخلص من سلطان الدين وتعاليمة حتى يصبح الدين بالنسبة لنا تاريخا نذكره ولانعمل به أم ماذا..؟ خاصة إذا وضعنا فى الاعتبار حفاوة الداعين الى التنكر للتراث الاسلامي بالتراث الفرعونى مثلا رغم أن الحضارة الفرعونية حضارة دينية أيضا مثل الحضارة الإسلامية تماما

والأغرب من ذلك أن دعاة التحضر الأوائل لم يدعوا الناس الى التخلص من ماضيهم بل دعوهم الى المعرفة التامة بتراثهم الحضاري والإسلامى قبل أن يذهبوا الى هذه البلاد حتى لا يقعوا اسرى لحضارة بها الحسن وبها السىء وبها ما يجب أن يؤخذ به وبها ما يجب أن يتجنبه الباحثون عن الرقي، وهو ما ذكره رفاعة رافع الطهطاوي فى كتابه الذى يمثل نقله شامله لما عليه الغرب متمثلا فى فرنسا الى الشرق متمثلا فى مصر والازهر الشريف الذى به ممثلون من العالم الاسلامي كله .

أما داعية التحضر الاكبر والأخذ بالحضارة الغربية الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي فإنه يقول فى مقدمة كتابه على هامش السيرة والذى يحكى فيه السير النبوية فى أسلوب أدبي روائي : "إذا استطاع هذا الكتاب أن يلقي فى نفوس الشباب حب الحياة العربية الأولى ويلفتهم الى أن فى سذاجتها ويسرها جمالًا ليس أقل روعة ولا نفاذا الى القلوب من هذا الجمال الذي يجدونه في الحياة الحديثة المعقدة فأنا سعيد موفق لبعض ما أريد . وإذا استطاع هذا الكتاب أن يحبب الى الشباب قراءة كتب السيرة خاصة وكتب الادب العربي عامة والتماس المتاع الفنى في صحفها الخصبة فانا سعيد حقا موفق لأحب الاشياء الىّ وآثرها عندي .وإذا استطاع هذا الكتاب أن يدفع الشباب الى استغلال الحياة العربية الأولى واتخاذها موضوعا قيما خصبًا للإنتاج العلمي فى التاريخ وفى الأدب الوصفي وحدهما بل كذلك للإنتاج فى الأدب الإنشائي فأنا سعيد موفق لبعض ما أريد . وإذا استطاع هذا الكتاب أن يلقي فى نفوس الشباب أن القديم لا ينبغي أن يهجر لأنه قديم وأن الجديد لا ينبغي أن يطلب لأنه جديد وإنما يهجر القديم إذا برىء من النفع وخلا من الفائدة فإن كان نافعا مفيدًا فليس للناس أقل اليه منه الى الجديد فأنا سعيد موفق لبعض ما أريد"

هذا ما جاء فى مقدمة كتاب العميد وهو أكثر الناس حرصا على رقي الامة والداعي الى ذلك دون مواربة ثم يأتي من يحدثنا بطمس الماضى كله ونحن أمام من يحاولون إحياء ماضيهم والادعاء بما ليس فيه بل نجد من يدعو الى تجديد الدين من خلال أناس خارج المنظومة الدينية وهو أغرب ما قيل .بل أن ادعاءه بأن الانبياء جاءوا من خارج المنظومة الفكرية الموجودة تلفيق واضح .