أونطة التدين على الطريقة العربية

بقلم .... داليا الحديدي

الثلاثاء 04 فبراير 2020
داليا الحديدي

لو قدر لي اختيار قضية للدفاع عنها وتفنيدها لأسرفت دهراً لإزالة ما ران على العقول من فهم حروفي نصوصي مبتور، واستبداله بالفكر المقاصدي الشمولي.

 تدهشني معلمة تجويد تحث ولدها على تناول الزيتون الذي تعفه نفسه عنه .. فتغريه بالتين و التمر.
فيمتنع لاتباعه حمية كونه مصابا بالسكر والضغط ، فتنبهه أن تلكم الثمار مذكورة في التنزيل لعظم فؤائدها و قداستها، مؤكدة أنه لو تناول ما طاب له من التين و الزيتون لن يعاني السمنة.

و تستشهد بقسم المولى:"و التين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين".
هذا الفهم الحروفي النصوصي متولد من عقلية نقلية، ضيقة، مفصولة عن الاستهداف، فلو كان الفيصل بالذكر، فأبي لهب مذكور في التنزيل.
لكن المقاصدي يعلم أنه ذُكِر تخليداً لعاره. لا تمجيداً لذكره،
فيما يبقى النصوصي من أنصار " خير لي أن أذم باللغة العربية عن أن أمدح بلغة أعجمية! محض سفه أس ألف.
..
..
نحن أمام حقيقة وجود شريحة من البشر لا تكلف نفسها عناء البحث البسيط لادراك أن المولى يقسم بأماكن نزول الكتب السماوية الثلاث:
فلسطين، أرض التين و الزيتون .. مهبط الإنجيل
و مصر، عند جبل الطور بسيناء .. مهبط التوراه
و مكة، البلد الأمين حيث نزل الوحي .. بالقرآن.
هؤلاء مقاصدهم ضيقة، يستهدفون صم القرآن دون فهم أو تدبر آية واحدة منه . بل منهم من تقول على الرسول بقول" خذ منه ما شئت.. لما شئت.

■ ■ ■

بل إن كلمة تفكر لديهم تماثل مفردة " فهم أو تدبر" سواء بسواء، فـ " ألا يتفكرون" ترادف " ألا يتدبرون".
رغم أن دبر الشيء يعني خلفه.
ما يلقى الضوء أن " ألا يتدبرون" تعني ألا يبحثون في خلفية الموضوع.
و حين قيل للإمام للغزالى :ابني حفظ القرآن
فجاء رده: إذن، لقد زاد المصحف نسخة!
و أحسب أن القارئ أرقى من أن يعتقد أني أستخف بحفظ كلام الله إنني اذن لمن السفهاء،
بل أقر بعظم مرتبة الحفظ .. و لكنى كمن يثمن العلم على الشهادات، في مجتمع يُعلي من شأن الشهادات العلمية دونما أن تحظى بقيمة عملية تفعلها.
فما فائدة الصم بلا فهم ؟

■ ■ ■

فهذا الصم يوشي بمعنى هام .. وهو سماع صوت عالٍ يتكرر بنبرة روتينية مؤذية .. تحث الأذان من فرط علوه، على الإغلاق خشية أن تصاب بالصَمَمْ.
كما أنه ما فائدة النقد والمال بلا قدرة على الشراء؟
هذه الشرذمة النصوصية من البشر، هم كدولة تطبع أوراق نقدية لا غطاء نقدي لها من الذهب، ومن ثم فليست لها قدرة شرائية، فكذا الصم بلا علم، لا يثمر إنساناً نافعاً أو عملاً مفيداً.. بل محض زبد

..

هؤلاء ركنوا للتلاوة الميكانيكية لأن بكل حرف عشر حسنات،
أسميهم الباحثون عن " شلنات الثواب"، لأن تفكر ساعة خير من عبادة سنة.
تراهم يلهثون في أوكازيون رمضان لعمل عشر ختمات للقرآن أو يزيد، تلاوة فقى المقابر.
أو التلفظ بالاستغفار ثلاثة آلاف مرة باليوم بلا تفكر في ذنب واحد يستغفرون عنه.
"نحن نُراهِن على هؤلاء النصوصيون في خوائية الفهم الديني."
كلمة شهيرة أطلقها د عدنان ابراهيم ونستشهد بها ، لأن حفظ القرآن لدي النصوصي يعني صم مفردات ثلاثين جزءاً، صماً خاوياً من أي فهم لتعاليم الدين و دون مراعاة لأخلاقياته ، عوضاً عن تنفيذها.

■ ■ ■

فهم يؤمنون ان المسلم " كلما قرأ ارتقى في سُلم الجنان"، رُغم أن القرآن نفسه قد يكون حجة على القارئ يوم القيامة وفقاً لما جاء فيه

"يا أيها الذين آمنوا، لما تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون".
كما و أستشهد بمعنى الحديث: أول من تُسّعر بهم النار يوم القيامة .. قارئ للقرآن.
فربما يقرأ لكي يُقال، أما وقد قيل، فلم ينل من القراءة سوى العُجب الجالب للسيئات.
أو قد يكون ملماً بالقرآن من الفاتحة وحتى للناس .. وفقاً للقراءات السبع .. لكنه على المستوى الخُلقي، كذّاب أشر.

■ ■ ■


قلت لإحداهن: لو صدمتك بسيارتي، فكُسِرت قَدَمَيكِ
ثم ذهبت لك متثاقلة، وتلفظت بألف: آسفة، آسفة، آسفة، آسفة،آسفة.....
بنبرة مطبعية، روتينية، أأكون قد عبرت عن أسفي لك؟
وهل تصدقين هكذا اعتذار، عوضاً عن قبوله؟
ثم ماذا لو أتيتك مُنَكسة الرأس، مُنكَسِرة الظهر، طالبة منك السماح .. مع وعد بالتكفل بمصروفات العلاج.
فعلها جدي حين صدم شابا عاطلا، ثم عالجه، وبنى له كشكا صغير ا يتاجر فيه، كما كان يأتيه يومياً في المشفى ليعوده.
كذلك دفع مصروفات علاجه حتى تم شفاؤه، فلم يسامحه الشاب فحسب، بل كان يذكره دوماً بالامتتنان، وبات يدعو له بالمغفرة.

■ ■ ■

ما جدوى أسفً بلا إصلاح؟
ما جدوى أن أسرق مالك ثم أعتذر لك ألف مرة دون رد المال،
أو أمنحك مالا مزيفا من لعبة بنك الحظ، ما لهم كيف يستغفرون؟
ليست دعوة لمقاطعة الاستغفار .. ولكنها محاولة لتفعيله،
للربط بين المنطوق والمفعول .. بين المنصوص والمقصود.
ان منطوقنا للذكر قاصر ولم يتحقق ان لم نتذكر الله في بؤرة الشعور و في صميم الذاكرة.
فبحسب الآية 200 من سورة البقرة يقول سبحانه:" فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ ....".
فهل يتذكر احدنا والده فيقول" والدي كريم والدي كريم والدي كريم والدي كريم 400 مرة ثم
والدي حنون والدي حنون، والدي حنون، 300 مرة
هل لو اردت ذكر والدي أنا وأخي ، أفسنجلس سويا لنقول

 " محمود ، محمود محمود الف مرة"

اهكذا نكون ذكرناه؟ ام  الافضل التحدث عن افضاله وشيمه و خصاله و مواقفه معنا؟
ابدا ليست دعوة لمعارضة الذكر،بقدر ما هي مطالبة بتطوير شكله لتفعيل عملية التذكر، عوضًا عن الإكتفاء بشكل التلفظ.

■ ■ ■

....... Frere jacques ..........

■ ■ ■


على سبيل المثال لا الحصر، نجد أن الفهم النصوصي للجرس يجعلك تتوقع أن طارقاً بالباب.
بينما الفهم المقاصدي للجرس يجعلك تتساءل إن كان جرساً للكنائس فهو كما تقول أغازيج الأطفال الفرنسية
" "فرير جاك . أيها القس جاك

أنائم انت ؟ انائم انت؟
.. اصحو لتقرع أجراس صلاة باكر
اصحو لتقرع الاجراس لتؤذن للناس لصلاة باكر
Frère Jacques, frère Jacques,
Dormez-vous? Dormez-vous?
Sonnez les matines! Sonnez les matines!
Ding, dang, dong. Ding, dang, dong.

وقد يمضي شخص نصوصي عقودا من صباه ، يدرس في مدارس فرنسية، يتغنى بهذه الأغنية مذ نعومة أظافره حتى خشونة أقدامه .. وهو يجهل أن تلكم الأغنية ما هي إلا أغنية دينية، يحث من خلالها طفل  القس المؤذن النائم "جك" ليستفيق، كونه منوط به قرع أجراس صلاة باكر أو صلاة الفجر لكي يؤذن للناس فيصحون و يصلون.
هي أغنية رائعة تحاول غرس محبة الصلاة في نفوس الأطفال لتقوية صلاتهم برب العالمين.

■ ■ ■

فالنصوصي يتغنى بها ليمرح كأغر جاهل، دون فهم كنه معناها
بينما يتغنى بها المقاصدي، فيهرع ليصلي صلاة باكر.
فيما يفرق المقاصدي بين قرع اجراس االكنائس وطبول الحرب وبين أجراس الفسحة في المدرسة.
وبين أجراس لعبة "غميضة" كما يسميها الشوام
أو صياد حرامي كما يسمونها في الخليج
أو "استغماية" كما يلقبها المصريون.
او لربما يرتأي المقاصدي ولو كان أعمى، أن الأجراس قد تكون ناقوس خطر.
فيما يعمي البصير عن رؤية أو سماع أجراس سيارة الإسعاف، لأنه مصمم أن كلمة الجرس مرتبطة بالطرق على الباب.
وأخيراً، قد يفهم المقاصدي أن الجرس قد يكون نذيراً بالفضائح كما في بعض المجلات الصفراء.

■ ■ ■


أراني من فرط تعودنا على خداع أنفسنا، مضظرة لإعادة ترديد بديهيات، كما واعادة شرح مفردات ابتذلت من جراء الاعتياد في تناولها بشكل خاطئ ، أو دون وعي بكنهها.
فلفظ " أقال" يعني نقل أو أبعد من مكان لآخر
ويقول الحق في كتابه :"ما ودعك ربك و ما قلى".
أي ما أبعدك عن مكانة الأنبياء و ما تخلى عنك.
فيما تعني "الاستقالة" ، طلب الإبعاد و النقل من منصبه لمنصب أخر، أو من مكان، لمكان أخر.

■ ■ ■


و " القلقلة " في علم التجويد، تعني تحريك متكرر خفيف للحرف الساكن، حيث ينتهي نطق الصَّوت السَّاكن بحركة خفيفة حين يكون الصَّوت السَّاكن أحد أحرف ( قطب جد ).
أما " القول " فهو تحريك ونقل المعنى من وجدان وفكر إنسان لوجدان وفكر إنسان آخر ، عبر "عبارة "، نظرة، إيمائة، همزة غمزة، لمزة، لمسة، اشارة، أو أي وسيلة تعبير أخرى.

 فالأبكم بإمكانه الاستغفار دون تلفظ ، لأنه وعى المعنى من الاستغفار وأدرك المطلوب فنقله أو أقاله للمولى سبحانه، أو حتى نقله لبشر، بنظره منكسرة أو بدمعة فقد استغفر.
ما يعني أن كل إنسان عليه التفكير في كيفية توصيل معنى الندم و طلب العفو للخالق عوضاً عن التلفظ الميكانيكي دون وعي كون القلب لاهٍ.
وقد ورد في الحديث الشريف ما معناه: لا يستجاب من الدعاء، ما قيل والقلب عنه لاهٍ.
وكذا الذكر بشكل عام، هو حالة ذهنية لا لفظية، فإذا أدى التلفظ إلى تنشيظ الحالة الذهنية، فقد تحقق كنه الذكر ومقاصده.
أما إذا تلفظ الإنسان لا واعياً ، محولقاً أو مسبحاً دون أن تصيب تمتماته، الوعي أو الادراك، فلم يذكر و إن تخطت تسبيحاته الألف.

■ ■ ■

هؤلاء يحمدون في اليوم أربعة الاف مرة أو يربو، دون أن يشكرون حق الشكر.
فما أن ينتهوا، حتى يشرعون في وصلة الشكوى عبر الهاتف أو شتى وسائل التواصل، تارة مستترين بالمزاح و تارة متأففين من قائمة تطول ولا تنتهي سواء من الطقس، الزواج، العمل، الغلاء أو حتى من أطفالهم يشتكون. فحق عليهم القول " إن الإنسان لربه لكنود" أي حمد هذا؟
ومن ذا الذي يستغفلون؟
ترى لغة أجسادهم ساخطة
و نبرات أصواتهم ناقمة
وألسنتهم عنهم فاضحة
ثم ها هم يتبارون في سجل التغني بالشكر عبر تغريدات زائفة تحمل معاني مخنثة.
ظانين أن ذكر الحمد باللسان نقرة، والتقيؤ بالشكاوي نقرة أخرى لا تناقضها ولا تبطرها.
وسلسلة سرمدية من البطر بلسان الحال لا المقال.
بل وتيرة مكررة حتى يخال لك أنهم لا يبحثون عن حلول،
لكن يشتكون درأ للحسد، أو ربما إفتباساً لمشاعر الآخرين
أو تقليداً لعرف بات يمجد المآتم و يتاجر بالأحزان، ثم هم ملوك التنصل، فضمائرهم مدربة على الانكار ، إذ يذيلون سخطهم بهذا الشكر المزيف.

فصدق عليهم ما كتبه جبران.

 إننا حتى في أخطاؤنا نفتقد القدرة على الإبتكار""
يفصلون بين العبادة والعمل،
بين الحال و المقال.
بين المنطوق والمفعول.
فالصلاة والصوم الحج والذكر اللفظي عبادة نصوصية
لكن مساعدة الأخرين و قضاء حوائج الناس والتعلم والعمل
وتربية الأبناء وأعمال البيت والرياضة والإصلاح بين الناس عمل دنيوي لا عبادة فيه، كونهم لا يأبهون للمقاصد.

■ ■ ■

بل لربما يتأسفون على ما يضيع من أعمارهم في الدوام الحكومي .. أو في رعاية شؤون البيت، لاعتقادهم أنه وقت غير مخصص لله.
كيف السبيل لإقناعهم أن ممارسة الإنسان بوظيفته على وجه طيب هو من أرقى أنواع العبادة؟
فإن بات الرجل كالاً من عمل يده بات مرضيا عنه.
صحيح أن بعض الصحابة كان يستغفر في اليوم الاف المرات .. لكن جدير بالذكر أن هؤلاء كانوا من أهل الصُفَّة، أي من يصطفون في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينامون ويأكلون فيه بالمجان، كونهم فقراء لا يعملون، بل يتكففون الناس الحافاً و يعيشون على الإعانات.. حتى أنهم يبيتون بالمسجد لأنهم بلا مآوى

Homeless
فحري بهؤلاء أن يجدوا وقتاً لأعداد لا متناهية من التسبيحات.
وقد يشعرون بالخزي لو روحوا عن أنفسهم، وإن فعلوا، استحوا و أنكروا، أو ندموا و إستغفروا من هذا اللمم.
فصلً تام بين الدين والدنيا ناتج عن فهم نصوصي معتل الآخر و الأول.

 وعن هذا الفهم النصوصي ليتهم يستغفرون.