للبناء والتقدم

الإسلام وبناء الإنسان "4"

بقلم .... سيد حسين

الأحد 08 ديسمبر 2019
سيد حسين



إن العدل في الإسلام بجوانبه ومعانيه السياسية والاقتصادية والثقافية والتشريعية والقضائية بها كاملة متكاملة يربي ويبني الإنسان فتثبت أركان البلاد، وترسخ أوتاد خيام الحب والخير والأمن والسلام والقوة تظلل وتحمي الجميع وتمنع رياح وعواصف وأعاصير من يتربص بالوطن كراهية وشراً، لذلك فقد حاولت واجتهدت في الإمعان والتفكر والتدبر في قوله تعالي "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" لماذا عطف الله عز وجل الإحسان علي العدل مباشرة؟ فهداني تفكيري أرجو أن أكون علي صواب لأقول: لقد قفز أمام عيني حديث الرسول عليه الصلاة والسلام عندما سئل: ما الإحسان؟ فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .. أي أن الإحسان هنا عبادة الخشية من الله في السر والعلن، وبعطف الإحسان علي العدل أجد أن يجب أن يكون العدل ظاهراً وباطناً من الإنسان مع نفسه ومع غيره خشية الله، كما أن هذا العدل مرتبط بإحسان نحو النفس والناس أيضاً بخشية الله.
ولأن العدل بمفاهيمه الواسعة الشاملة من أسمي القيم التي تؤصل استقرار وراحة النفوس في الأوطان والمجتمعات حيث هو شجرة طيبة راسخة في الأرض أغصانها بثمارها الحلوة في عنان السماء، نسترشد بذخيرة من ذخائر التراث الإسلامي العظيم فيأتي كتاب "أدب الدين والدنيا" للفقيه العلامة"أبي الحسن الماوردي ــ 972 ــ 1058" حيث يحدد العدل بأنه عدل شامل، يدعو إلي الألفة، ويبعث علي الطاعة، وتعمر به الأرض، وتنمي به الأموال، ويكثر معه النسل، ويأمن به السلطان.. وليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور لأنه ليس يقف علي حد ولا ينتهي إلي غاية، ولكل جزء منه قسط حتي يستكمل˜.

ثم يفصل "الماوردي" إقامة العدل في نفس الإنسان ومع غيره قائلاً: "وإذا كان العدل من إحدي قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به ولا صلاح فيها إلا معه وجب أن يبدأ بعدل الإنسان في نفسه ثم بعدله في غيره، فأما عدله في نفسه فيكون بحملها علي المصالح، وبكفها عن القبائح".

أما عدله في غيره: فهو عدل الإنسان فيمن دونه كالسلطان مع رعيته والرئيس مع صحابته فعدله فيهم يكون بأربعة أشياء: باتباع الميسور وحذف المعسور، وترك التسلط بالقوة، وابتغاء الحق في السيرة، فإن اتباع الميسور أدوم، وحذف المعسور أسلم وترك التسلط أعطف علي المحبة، وابتغاء الحق أبعث علي النصرة وهذه أمور إن لم تسلم للزعيم المدبر كان الفساد بنظره أكثر، والاختلال بتدبيره أظهر، وقد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم "أشد الناس عذاباً يوم القيامة من أشركه الله تعالي في سلطانه فجار في حكمه"، وقال بعض الحكماء: الملك يبقي علي الكفر ولا يبقي علي الظلم، وقالوا: "الظلم مسلبة النعم، والبغي مجلبة النقم".

ثم يذكر "الماوردي" أن هذا العدل ثمرته الحلوة الطيبة لجميع الناس هو "أمن عام" تطمئن إليه النفوس وتنتشر فيه الهمم، ويسكن إليه البريء، ويأنس به الضعيف فليس لخائف راحة ولا حاذر طمأنينة وقد قال بعض الحكماء "الأمن أهنأ عيش والعدل أقوي جيش" ولأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم ويحجزهم عن تصرفهم ويكفهم من أسباب المراد التي بها قوام أودهم وانتظام جملتهم، فالأمن من نتائج العدل والخوف من نتائج ما ليس بعدل.

اللهم ظللنا بظلال العدل الوارفة البانية الراسخة.