للبناء والتقدم

الإسلام وبناء الإنسان (5)

بقلم .... سيد حسين

الاثنين 16 ديسمبر 2019
سيد حسين

بالقول الشامل يقول الخبراء العسكريون الاستراتيجيون: "إن التكتيك هو استعمال القوات المسلحة فى المعركة اما  الاستراتيجية فهى استعمال المعركة من أجل الحرب، وكسب الحرب عندما يفرض العدو المنتصر إرادته على الشعب المهزوم فيقهره ويستعبده ويحتل أرضه وينهب خيراته وثرواته".

هنا نستقريء التاريخ ليخبرنا انه ما هُزمت أمة من الأمم إلا بعد ما خارت قواها بضعف بنائها الداخلى فتمكن منها أعداؤها المتربصون بها فهزموها واحتلوها وقهروها ونهبوها وسادت إرادتهم على ابنائها.

وتشير فلسفة التاريخ بصوت صارخ: لقد حدث ما حدث لهذه الأمة عندما غابت وانزوت شمس القيم العدل الكاملة المتكاملة التى تشع نوراً فى الرءوس ودفئاً وحباً وقوة فى النفوس.

ولذلك كان هذا العدل بأبعاده التكتيكية تحقيقاً لأبعاد الوطن الاستراتيجية فى قوته ونهضته وتقدمه وما كان هذا إلا بإرساء وتجذير قيم العدل كافة فى جنبات الوطن فهو الحصن الحصين الذى لا ينفذ منه عدو.

لذلك نجد أن أحد الولاة فى عهد الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز يطلب منه مالاً لبناء سور حول مدينته ليحميها من الأعداء، لم يرسل إليه عمر بن عبدالعزيز ما طلبه من مال بل أرسل إليه رسالة فيها عبارة واحدة "حصنها بالعدل، ونقها من الظلم".

وعندما قال أحد الجالسين لعمر بن عبدالعزيز: إن الناس لا يقومهم إلا السوط فرد عليه عمر بن عبدالعزيز: كذبت إنما يقومهم العدل والحق.

يذكر "ابن عبدربه" فى كتابه "العقد الفريد" ما يبين ان عمر بن عبدالعزيز كان يستعين بالعلماء العاملين المخلصين فى نصائحهم خشية لله سبحانه وكان من هؤلاء سالم بن عبدالله ومحمد بن كعب فأرسل إليهما وقال لهما: أشيرا عليّ؟ فقال له سالم: اجعل الناس أباً وأخاً وابناً فبر أباك، واحفظ أخاك، وارحم ابنك، وقال له محمد بن كعب: أحبب للناس ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك.

كم هى عظيمة مكانة الحاكم العادل فى نفوس الناس فتثبت أركان حكمه تطول بالثناء والدعاء للحاكم ليكون فى مكانة هى الأكثر عظمة حيث مكانته عند الله سبحانه وتعالى يوم الحساب فى ظل الله فقد جعله الرسول عليه الصلاة والسلام فى أول السبعة الذين يظلهم الله لأنه قام بقيم العدل العظمى فى حكمه فقال "سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل..".

فهذا الإمام العادل كان قد عمل من أجل أن يصير الفقير غنياً، والضعيف قوياً، والجاهل متعلماً ثم عالماً، والمريض صحيحاً، ويضرب على يد الفاسد المفسد، ويردع ويقهر الظالم، وينصف المظلوم.

لذا نلاحظ أن الإمام العادل يعينه الله تعالى كما قال عليه الصلاة والسلام: "إذا جلس الحاكم للحكم ثبت الله له ملكين يسددانه ويوفقانه فإن عمل أقاما، وإن جار عرجا وتركاه".

ومن أجل هذا الحاكم العادل وتأثيره العظيم بين الناس، كان الإمام الحسن البصرى يقول: لو كانت لى دعوة واحدة مستجابة لادخرتها وجعلتها للإمام العادل.

لقد اهتم علماء الإسلام بقيم العدل وإقامته فكان منهم ابن خلدون يرسم المنهج فى مقدمته حيث يقول: "إذا ولى الرجل منكم أو صير إليه من أمر خلق الله وعياله أمر فليراقب الله عز وجل، وليؤثر طاعته، وليكن على الضعيف رفيقاً، وللمظلوم منصفاً، فإن الخلق عيال الله وأحبهم إليه أرفقهم بعياله، ثم ليكن بالعدل حاكماً، وللأشراف مكرماً، وللبلاد عامراً وللرعية متألفاً، وعن أذاهم متخلفاً، وليكن فى مجلسه متواضعاً حليماً.

أعود لأذكر على أهمية أن يكون كل إنسان عادلاً أيضاً مع غيره وما يحبه لنفسه يجب أن يحبه للآخرين ونتذكر قوله تعالي: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن" الأنعام 82.

ولأن الظلم نقيض العدل تجد الله سبحانه وتعالى قد حذر منه فى مئة وتسعين آية فى قرآنه الكريم، وحذر منه الرسول عليه الصلاة والسلام فى سبعين حديثاً كما يقول علماء الحديث.

فاللهم اجعلنا من ذوى العدل مع أنفسنا وغيرنا فهذا من التقوى كما قال سبحانه وتعالي: "اعدلوا هو أقرب للتقوي".