سيلفي مع فيروز

بقلم .... داليا الحديدي

الخميس 16 يناير 2020
داليا الحديدي

 

على مشارف تشرين ثاني، أحد الشهور المفضلة لأمثالي من المخلوقات الشتوية، أذكر واقعة حضوري حفلة الموسيقار العالمي اليوناني "يانني".

ففي شتاء عام 2003، كنت أعمل كمحررة صحفية بجريدة خليجية، وسمعت عن التحضيرات التي تتم لإحياء حفلة لـ"جارة القمر"، وكنت ومازلت مولعة بهذه الـ"نهاد حداد"، حتى أني أضع صوتها -بكثير من المبالغة- موضع القداسة، وأنبهر بوقفتها بطُهر على المسرح لا تستعرض سوى صوتها، الذي لازمني حتى بمناماتي.. حتى صار غناؤها نفسُه حلماً تمنيت أن يتحقق بسماعه عن قرب "لايف" لا مسجلاً.

الشاهد تحريت، فوجدت التذكرة على ذاك العهد بـ 600 ريال! أي: تربو على ألفي جنيه مصري، وكنت وزوجي يومها في مقتبل حياتنا، ندفع زُهاء 1200 ريال شهرياً لإيجار شقة صغيرة بحي قريب من الكورنيش.

 وكنت أعمل، أي: قادرة على شراء تذكرتيْن.. لكني عجزت عن مجرد التفكير في طرح فكرة حضور حفلة لفيروز؛ خشيةَ أن تضغط أمنيتي على ميزانية الأسرة.. وليقيني المسبق بالرفض.

ارتديت الـ "بوكر فيس" ودفنت حلمي في ذهني مع أشقائه من جثث الأحلام المدفونة بذات الذهن المقبرة، حتى جاءني زميل لبناني بالجريدة، تحديداً، بيروتي، من أصحاب "بونجورين، بونسوارين، صحتين، عافيتين".. وقال:

كيفك داليا.. إن شاء الله مِنيحة.. سمعانا عن حفلة فيروز.. معي تذكرتان.. شو..؟

 وربما من يعرفني يدرك عدم فهمي بالتلميح، ومدى إغراقي في نوع متبّلد غير رائج من السذاجة غير المبررة.. لكن عزائي أن ذلك كان لحِقبة ما قد انقضت بين تشبيب وشكوى ونُواحٍ، ولكني عولجت منها نهائياً بلطف من الله.. على أن وقتها.. 

 قلت: تقصد تذكرتين لي أنا وزوجي..

قال: يي، لا طبعاً، أقصد أنا وأنت!

 فتّحت عيني كثيراً مندهشة من جرأته واعتذرت.. 

 وقلت: لا شكراً، أنا متزوجة. 

 ثم عاتبتني نفسي كثيراً -علماً بأني تخصص جلد ذات بأثر رجعي-..

 وقالت لي نفسي: كان عليّ أن أبدو أكثر حدةً في ردي، فكيف يجرؤ؟ وحتى لو لم أكن متزوجة، فأنا لن أخرُج لمواعدة الرجال.

وهبْ أنه كان ينتوي إهدائي تذكرتين لي ولزوجي، فكان يتحتم عليّ الرفض.

 يا الله.. لكم تضع أمامنا من اختبارات تصهر نفسونا خيبةً أو نجاحاً.

وبغباء معهود، حيث إني كنت من النوع الذي يكرر أخطاءَه، ذهبت وجلست على كرسي أمام زوجي، واعترفت كمسيحية ورعة تبوح للقس بآثامها في جلسة الاعتراف الأسبوعية، ورويت الواقعة من بدايتها، وحتى اعتذاري للبيروتي.

 ولا داعي لذكر هياج زوجي الذي عاش حالة "الزومبي" لبُرهة، لكنه بعدما استرد هدوءه قال: 

عن جد يا داليا، ودي لو تتأكدي، أنك لن تقابلي ذلك المتحرّش الذي يصرّح لفريسته، قائلاً: نويت التحرش بك بنظرتين أو كلمتين أو مجاملة أو دعوة، عليك بتعلم قراءة لغة الجسد.

 وجدت زوجي -على قسوته- محقاً، فاشتريت كتاباً عن لغة الجسد من متجر"فيرجين".. وتم العلاج.. وبرئت من مرض عدم الفهم بالتلميح، لكن لليوم لم أبرأ بعد من تلكم الـ" فيروز".. ولكم أعتز بهكذا علة.. علّ الشافي لا يشفيني منه أبداً.

مر عقد من الزمان، وبدّل الله الحال بفضله وكرمه من حال المبتدئ لحال خبره أفضل، وتحسنت الأوضاع بُعيد رحلة كفاح كَسِواي من البشر.

وحدَث أن عاد زوجي من عمله في يوم من ربيع عام 2013، بطاقة إيجابية قلما أعهدها فيه.

 وقد أخبرني أنهم أعلنوا في الصحف عن حفلة للموسيقار اليوناني "يانني" الذي يعشق أعماله. 

 وأفادني أن الحفل سيقام في "أزار" مارس، وأنه بالفعل قد اشترى تذكرتين بصعوبة بالغة، مؤكداً حتمية جهوزيتي في الرابعة والنصف مساء، حيث سيبدأ الحفل الموسيقي في السادسة شارب.

 ورغم إعجابي بموهبة "يانني" وأعماله، لكن يظل الفرق بين مكانته ومكانة فيروز في وجداني، كالفرق بين مكانة والدة ابنة عمي في قلب ابنة عمي ومكانتي في قلب ابنة عمي.

 ولكنّي تحضّرت قبل الوقت المحدد؛ خشيةَ إفساد آثار الشغف والبهجة التي نادراً ما ألمحها على وجه زوجي، وكنت قد لاحظت أن كل "إينش" بوصة فيه تنطق بإيجابية نادراً ما عهدها به، فزوجي نصير نظرية 

..lose, lose situation

 لا 

 Win.Win

 حتى أنه تبسّم طوال يوم الحفل لا أثناءه فحسب.. وهو -بقدر من المبالغة- ربُّ أرباب التجهم- وقد نثر أريج العُود بالسيارة، بعدما ذهب في الصباح لمحطة الوقود وغسَل ظاهرها وطهّر باطنها.. كما وتأنّق بشدة ليلتها وهو ممن يتفاخرون بأنهم لا يعبؤون بالمظاهر الكاذبة.. حتى أنني يهيئ لي حينما أسمع حديثه، أنى متزوجة من مولانا جلال الدين الرومي، وحدث أن فتح لي باب السيارة بنفسه، وجلس يحاكيني عما يستعدّ لسماعه:

 Santorini

 Port of Mystery

 Keys to Imagination

 Forgotten Yesterdays

 Forbidden Dream

وصلنا للقاعة، حيث الحفل الذي اتضح أنه سيبدأ في الثامنة والنصف مساء.. وأن زوجي تحايل متوسلاً الكذب للحَيطة؛ خشيةَ تأخيري.

 عموماً، فله فقد استسغت كُذيبته تلك، فلها مبرراتها على أية حال.. وقد أسرتني حالة الطفولة التي تصرّف بها.. وسعدت بشدة؛ لأني لمست بهجة علنية لزوجي قلما تبدو إلا لو حدث مثلاً مستحيل العلاوة.. كما وأذكر أنه صفق لدى توقيعي لعقد الزواج، وقفز فرحاً يومها؛ لأني لوّحت له مازحةً أني لن أوقّع.. عدا هذا، قلما وجدته يعلن عن فرحه.

 وأصدقكم القول، فما إن بدأ الحفل الموسيقي، إلا وشعرت بانقطاع الصوت عمن حولي، وما انتبهت لـ "يانني".. وما رأيته على المسرح من الأصل.

 كان زوجي والجمهور بأسره يسمع "يانني"، وكنت وحدي مع دموعي المتحجّرة في مُقلتي.. ننصت لسفيرة النجوم.

لقد تخيلتها على المسرح بهيبة طلتها.. ووقفتها الشامخة.. وسمعتها تشدو كل الألحان الخالدة.. كانت وحدها فيروز يصاحبها عاصي ومعه عصاه السحرية على المسرح.

هو يقود العازفين وهي تشدو: 

 أسامينا

 صبح ومسا

 عالطاحونة

 شادي

 حبيتك بالصيف

 يا مختار المخاتير

 خليك بالبيت 

 وحدهن

 شال

 يارا 

 لا تسألوني

 عودك رنان

سائليني

 عصفور الجناين

 حبيتك تنسيت النوم

 من قلبي سلام لبيروت

 بيقولوا صغير بلدي

 الآن الآن وليس غدا

 يا جسرا خشبيا

 بيسان

 البوسطة

قرأت مجدك

شام يا ذا السيف

 كيفك أنت؟

 أناشيد راعي

 قاعدة بتغزل بمغزلها

 مرمر زماني

 يا ميت مسا

 سألوني الناس

 طير الوروار

 اديش كان في ناس

 طيري يا طيارة

 يا دارة دوري بينا

 يا ريت

 سنرجع حدثني العندليب

 باكتب اسمك

 الله معك يا هوانا

 بعدك على بالي

 سنة عن سنة

 البنت الشلبية

 سهار بعد سهار

 قال قايل

 نسم علينا الهوى

 يا عاقد الحاجبين

 تكتك يا ام سليمان

 تع ولا تيجي واكذب عليّ.. الكذب مش خطية

 سلملي عليه.. بوسلي عينيه

 فايق يا هوي

 آخر أيام الصيفية

 رجعت الشتوية

 سنرجع يوماً

 مصر عادت شمسك ذهب

 شط الإسكندرية

 سكن الليل

 ماذا بعد قتال اثنين

 يا زمان الوصل بالأندلس

 جسر اللوزي

 زهرة المدائن

 غنيت مكة

 بحبك يا لبنان

 لملمت ذكرى لقاء الأمس

نعم، لملمت ذكرى أغاني الأمس.. وعشت وهم أني اقتربت من فيروز بعد العرض، وأنها ربما مضت لي على "أوتوجراف".

 أواه! يبدو أني نسيت أنه ذهب عهد "الأوتوجراف"، حيث يقوم "الفانز" أو المعجبون حالياً بأخذ "سيلفي" مع نجمهم المفضل.

إذن، فليكن.. سيلفي مع فيروز.. ولو سيلفي وهمي.. لكم هي عذبة أحلام اليقظة.. ولكم ترهقنا أمتع الإرهاق.

كان زوجي يبتسم وهو يصفق بعنف، عقب كل مقطوعة.. وكنت بجانبه أمسح من على وجهي غبار الحنين لحلم ضاع على المسرح.

أعجبني أنه تمكن من تحقيق هدفه بحضور حفلة موسيقاره المفضل.

 واليوم وقد وعيت درس عدم التهاون في تحقيق أحلامي، إلا أني أندم كثيراً؛ لأن "فيروز" تمت في تشرين ثاني الماضي الثمانين خريفاً.. ولم تعد قادرة على إحياء المزيد من الحفلات.. وأجدني أحيانا أفقد بعضاً من إيماني.. وأتساءل: ماذا لو؟ في حين يجب القول "قدر الله وما شاء فعل".

كل ما سبق جاء من وحي ما نشر عن حفل مرتقب جديد سيقيمه "يانني" في الأيام القليلة القادمة تحت سفح الهرم.

 فعلى كل من يستغلي ثمن التذكرة، أن يعلم أنّ لكل هدف ثمناً يجب دفعه لتحقيقه، كما قال "باولو" في مطلع روايته "وينرز ستاند الون"

 أما أنا فأقول لكم: اركضوا وراء أحلامكم.. وعينكم عليها ساهرة.. سهركم على أبنائكم.