"شمس".. تطفئ النيران الحبيبة

بقلم .... داليا الحديدي

الاثنين 14 أكتوبر 2019
داليا الحديدي

يطلب مني أبنائي كل ليلة حكايات قبل النوم، ولأني لست بارعة في سرد قصص من تأليف سواي، لذا، بت أحكي لهم عن شخصيات قابلتها في حياتي وأثرت في أيما أثر، ولو كان اللقاء عابرًا، إلا أن ذكراهم لاتفتأ تعيد العبور لواقعي.

فمذ طفولتي وأنا أسمع عن «شوشو» سليلة عائلة «الأتاربة» الشهيرة.

"شوشو" كان لها أكثر من أخت، أطلق عليهن الوالد أسماء عادية ولكنه كان يفاجأ أنه يتم منادتهن بأسماء دلع "فيفي" و"ميمي" وما إلى ذلك، لذا، اختصر الأمر وسماها "شوشو" في السجلات.


ف«شوشو» هو اسمها الحقيقي «لكنها امتلكت اللإرادة والجرأة لتغيير إسمًأ لم يعجبها إلى «شمس»،ومن المهم، لفت الإنتباه انها قد قامت بتغيير اسمها في بيئة شديدة المحافظة وفي مدينة من مدن أقاليم بحري، وفي حقبة أكثر تشددًا في مرحلة الخمسينات والستينات في مصر. على هذا،  لم يعرف عنها استغلال اسم العائلةللمنظرة أو للتقوت من نجاحات الأجداد، لأنها وببساطة وجدت في نفسها قدرة ذاتية على ضخ النجاح من صميم نفسها لا من اسم عائلتها.


 وسطعت "شمس" في محيطها لإمتلاكها شخصية مشعة، كفيلة بترك لفحات بصماتها عليك ولو كنت قد قابلتها مرة يتيمة.

لقد مزجت «شمس» بين سمات العملية والإنسانية بشكل صارخ، فلم يقترب أحد منها إلا وشم عبق التفوق وذاب في طعم الإنساني الجميل، كما أعطيت موهبة تحويل التراب لتبر والفشل لنجاح.
لاحظ إنك أمام امرأة ولدت بمطلع الأربعينات في مدينة إقليمية لا في العاصمة، ومع هذا،فلم تختار اسمها في حياة والديها فحسب، بل اختارت شريك حياتها ومجال عملها كما أقامت صالونها الأدبي والفني الخاص والذي جمعت فيه النخب المصرية وأصحاب الفنون والهوايات لتشجيعهم.

..
بالطبع نجحت «شمس» في مجال تصميم الأزياء التراثية، فكان لها خط انتاج ناجح بإسمها، فضلًا عن أن منتجاتها كانت تُصَدَر للخارج. لكن أزعم أنه وبدون خط انتاج، فلقد كان اسم "شمس" هو "البراند" نفسه، أي هو النجاح ذاته. اذ تفوقت إنسانيًا في معاونة محيطها، فقد سمحت بل شجعت أبناءها على تجربة أنفسهم في مختلف المجالات .. إنها من نوعية الأمهات اللائي تمرسن على حقن كروموزومات أبنائهم بهرمون الثقة بقدراتهم.

..
صغيرة كنت، حين قابلتها للمرة الأولى ببيت أحد أصدقاء العائلة المشتركين، وللوهلة الأولى، التفت لكوني أمام سيدة شقراء، بقامة ليلى فوزي وبجرأة فكرية لا نظير لها كما أنها لم تكن تتودد للأطفال بشكل إدعائي أمام ذويهم.

قبل وصولها، كان الجميع يقولون: "شوشو" ستحضر الليلة، أي أننا بإنتظار مساء بتوقيع النجوم .. وراحت بعض المدعوات تذكر كيف كانت شوش تمشي وهي شابة صغيرة في "المنصورة" على الكورنيش وبجانبها مربيتها التي تقوم بعد قائمة الشباب المتابعين لسحر جمالها.

جدير بالذكر أنه كان لشمس الإتربي متابعين حقيقيين لا افتراضيين وفي العالم الواقعي، لا الافتراضي، إذظهر اهتمام شمس بالحركة الفنية والإبداعية في المجتمع المصري، فبدأ متابعينها يرتادون صالونها الأدبي ليحظوا بفرصة تشجيعها، وكانت تنفعل على أي زائر يأتيها بهدية ولو حلوى، وكانت تقول كلمتها الشهيرة بنبرة أمومة موبخة

:"بتصرف فلوسك ليه ؟... لازم تعرف أنك داخل بيتك.. اياك تشتري حاجة تانية وأنت جاي".

فصالونها الثقافي لم يكن يبتغي أن يقال عنها أنها سيدة صالون، لكن كان يستهدف مساندة المثقفين والمبدعين سيما المبتدئين منهم"

..

كيف لا يسترعي انتباهي سيدة مصرية من مواليد الأربعينات وصفها الكاتب جمال فهمي بأنها كانت: "تقف بحماس فى صفوف المنتصرين للتقدم وإشاعة نور العلم والثقافة والإبداع، وتعادى بشجاعة حراس ظلام العقول والتخلف والرجعية والجهل."؟

..
 مر على "شمس" قائمة طويلة من المساعدات أشهرهن «نوسة»، ولكن "شمس" نفسها ساعدت الكثيرين على اكتشاف أنفسهم، فكانت عرابة بكل ما تعنيه الكلمة، إذ كانت قادرة على استخراج النفيس من الإنسان وصقل من يأتيها منكسرًا أو مهزومًا بل حتى من يأتيها فرحا  ، كانت ىتساهم ف يمضاعفة فرحته .. الجميع يتكل عليها اقارب و أغراب ..  بيتها مفتوح للجميع، افراح بنات العائلة تتم في بيتها و زغردي يا "نوسة" و تعم الفرحة المضاعفة بجهد شمس و بطاقتها.

..
إحدى صديقاتي اللائي يعملن في مجال «اللايف كوتش» أخبرتني أن طالبًا جامعيًا طلب مساعدتها، فأخبرته أنها لا ترى سببًا لفشله في الحصول على شهادة جامعية وقالت له: «أنت سيارة مرسيدس، لكنك بحاجة فقط لفتح الكونتاكت للتشغيل».
وبدهشة، أخبرتني الصديقة أن الطالب قد اتصل بها لاحقًأ ليشكرها، فقد نجح في تخطى عقبة الحصول على الشهادة الجامعية نتيجة للكلمة التي أسمعته إياها.
يبدو أن حتى «اللايف كوتش» يندهشون لقوة أثر الكلمة الداعمة في نفوس البشر!
لكن «شمس» كانت على دراية بأهمية الدعم النفسي والمعنوي والموقف العملي المساند فضلا عن كونها خبرت قوة الكلمة، فكان لسان حالها يُعلن لمن يأتيها مهزوماً أنه سيارة «هامار». ما كان يعينهم ويقويهمعلى تخطي الصعاب، فلقد كانت ماهرة في تقدير الناس، كما عرف عنها انها كانت احدى مشاهير الكرم في مصر.

..

..

 إن صغارنا يعيشون في مجتمعات احترفت حرق المواهب وتحطيم النفوس بمئات الطرق الخفية والعلنية، المقصودة والغير مقصودة .. وللأسف فإن التشوهات تنجم لا من النيران المعادية أو الصديقة فحسب، بل أحيانًا من النيران الحبيبة. فبعض الآباء

لا يجدون دافعًا لإثبات محبتهم لأبنائهن، إذ يعتقدون أن معزتهم معترف بها إجتماعيًا دون جهد، كما أن الإنفاق على التعليم والمأكل والإيواء لهو برهان كافٍ، ناهيكم عن أن الكثرة تنهج سبل الأسلاف في استمراء تسفيه الأبناء والتفاكه على زلاتهم علنًا، عدا السخرية من خلقهم وخلقتهم!
: «روحي كده وأنت شبه عمتك».
: «أنفك كبير جدا»

: « ده منظر .. ودانك زي القرد"
: «سفر إيه ومصيف ايه؟ انت ناقص سمرة انت اصلا غامق! »

: «ابقى قابلني لو فلحت.. اهي ذقني لو شفت نجاح في حياتك! »
ناهيكم عن المقارنات والتحسيس بالصغار، إذ قلّ من يرون أهمية لمنح الإعتبار و التقدير و الإصغاء للأبناء.
:«أنت ناقصك إيه علشان تجيب مجموع كما ابن عمك؟
:«بلاش تروح عزومة أصحابك، ملابسك قديمة ووالدك طلع معاش، وماحدش هيعملك قيمة، فممكن تتهزأ».
:«الناس قدرات وأنت عارف ان مخك ما بيستوعبش الكيمياء، استحالة تدخل صيدلة».

: «الله يفتح عليه بن الجيران اشتغل في الصيف واشترى لأمه غسالة أطباق .. مش انت.. قاعد "عالة" زي خيبتهم! »
هذا فيض من وبال مدمر لنفسية أطفال او صبية قدِّر لهم العيش مع أهل غير مؤهلين لتربية نشء.
فنسبة ضئيلة من الآباء كـ«شمس» تدرك أهمية ترك ما في يدها لو قال لها ابنها: «بص بابا بص».
فصغارنا ينقصهم تصفيق الأم على حل مسألة فيزيائية، كما وبناتنا بحاجة لربتة كتف ولوقت والدها لإقناعها أنها وإن عجزت عن فهم مسألة هندسية، فليس هذا مرجعه لكونها غبية، بل لربما لعجز المدرس عن الإيضاح وإن درست بمدرسة دولية أو حتى في الخارج.
إن صغارنا يتعرضون آنيًا لمختلف محاولات التسفيه الظاهرة والخفية والتي تستهدف التهوين من قدراتهم ومظهرهم، ما يقوض أهليتهم لاستحقاق مشاعر التقدير.
فكم نحن بحاجة لأمثال «شمس» وليتك تسمع صغيرك
:«أنت سيارة «هامار» وانا على يقين بقدراتك في قيادة حياتك بنجاح».
لقد ورد في سورة المائدة:
«ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا».
إن روح كروح شمس الإتربي لا تموت.. فحيا الله ذكرى «شمس» التي علمتنا أن ربتة الكتف من أنفع الطرق في إحياء النفوس المحروقة بنيران حبيبة.