محاولة للفهم

في بلاط صاحبة الجلالة - 4

بقلم .... رياض سيف النصر

الخميس 06 يونيو 2019
رياض سيف النصر

حافظ محمود .. الحارس علي تقاليد مهنة الصحافة

اختلفت الصورة الذهنية التي ترسخت في أعماقي. عن شيخ الصحفيين حافظ محمود. بعد أن اقتربت منه في منتصف الستينيات بداية عملي في "الجمهورية". 

كنت أصنفه ضمن الصحفيين والسياسيين اليمينيين. بناء علي اختياراته السياسية قبل ثورة يوليو.. دون أن أتعرف علي مواقفه النقابية.. وهو خطأ ما كان ينبغي أن أرتكبه. وتغيرت الصورة بعد أن أدركت الحقيقة. 

تعرض حافظ محمود لظلم واضح لم يتعرض لمثله نقابي قبله. سواء من صحفيين من جيلنا. الذين اتخذوا منه مواقف معارضة بناءً علي مواقفه السياسية اليمينية. أو من الأجيال اللاحقة التي لا تعرف تاريخه الطويل. وما قدمه لمهنة الصحافة. 

حافظ محمود. صاحب بطاقة العضوية رقم "1" في نقابة الصحفيين. والنقيب لمدة 3 دورات متتالية.. ولولا أن قانون النقابة كان يمنع من الترشح للدورة الرابعة. لنالها بكل تأكيد. 

كان وكيلاً للنقابة لمدة 21 دورة انتخابية. وسكرتيراً عاماً لمدة 13 دورة متتالية. وعضواً بالمجلس 26 دورة. وهو أول مصري وعربي يشغل منصب رئيس اتحاد الصحفيين العالمي. 

وعندما كان نقيباً للصحفيين وضع لائحة آداب المهنة. وساهم في وضع ميثاق الشرف الصحفي عندما كان عضواً بالمجلس الأعلي للصحافة.. وقائمة ما قدمه للمهنة من إنجازات تطول. 

* * * 
بدأت أتعرف علي الكاتب الصحفي والنقابي حافظ محمود عندما التحقت بقسم الصحافة جامعة القاهرة. وكان أستاذنا الدكتور عبداللطيف حمزة يدرس لنا أساليب كتابة المقال الصحفي من خلال كتابات الصحفيين المعاصرين. وكان من بينهم حافظ محمود.. الذي تناول أستاذنا من خلاله مواقف الصحافة الحزبية قبل ثورة يوليو. وكلفنا بأن نرجع إلي أرشيف تلك الصحف.. ونبدي ملاحظاتنا عليها ونناقشها في المحاضرات القادمة. 

جذب انتباهي من خلال متابعة مقالات حافظ محمود والحوارات التي أدلي بها للصحف. التفاف معظم أعضاء نقابة الصحفيين حوله.. سواء في العصر الملكي الذي نصفه بـ"العهد البائد" أو بعد ثورة يوليو التي قامت لتقضي علي الملكية والإقطاع ورأس المال المستقل. وتقيم نظاماً جديداً ينحاز للطبقات العاملة. 

وطبيعي أن يستبعد الثوار السياسيون القدامي وكبار الملاك من الإقطاعيين. وتحديد ملكيتهم تطبيقاً لقانون الإصلاح الزراعي. 
وألغت السلطة الجديدة الأحزاب. وتعرض العديد منهم للمحاكمة بتهم الفساد. وتبارت الصحف في نشر الموضوعات التي تتناول انحرافاتهم.. سواء كان بعضها صحيحاً.. أم من تأليف مَن كتبوها. 

تباري عدد من رجال السياسة والصحافة. لمحاولة التقرب من الحكام الجدد.. والسير في "زفة" الاتهامات لأصدقاء وزملاء وأقارب.. من أجل البحث عن موقع في السلطة الجديدة. 

لم يكن حافظ محمود من بين هؤلاء.. استمر في الكتابة عن حزبين شرفاء في العهد الملكي. دون أن يتعرض له أحد. وأن يحظي بثقة الصحفيين وأصواتهم الانتخابية. حتي الذين لم يمنحوه أصواتهم كان بسبب الانتماء السياسي إلي حزب يميني.. دون أن ينكروا نزاهته وبعده عن الشبهات التي طالت صحفيين كباراً. 

يروي حافظ محمود في كتابه "حكايات صحفية" أن الدولة كانت ترصد في ميزانيتها مبلغاً ثابتاً في باب من أبواب الميزانية اسمه "باب المصروفات غير المنظورة".. واختفي هذا الباب بعد قيام ثورة يوليو.. وكان هذا البند يشمل أسماء العديد من الصحفيين. وعندما عرض رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي عليه أن يضعه في هذا الكشف. وقدم له مائة جنيه في مظروف.. ووعده أن يحصل عليها كل أول شهر.. ووعده أن يكون الأمر سراً بينهما.. وكان رد حافظ: 

* لكني أنا وأنت نري هذه الفعلة. ثم عقب وهو يرد المظروف. ربما كان هناك مَن هُم أحق مني بهذا المبلغ. 
.. ويضيف حافظ: 

* استشاط رئيس الوزراء غضباً وهو يقول: مَن الذين هم أحق منك؟!!.. لعلك تقصد صحفي القصر الملكي الغارقين في الثراء.. ثم أضاف: يا لك من عبيط!! 
وكان مبلغ مائة جنيه من المبالغ الضخمة عندما حدثت تلك الواقعة عام 36. 
تكرر نفس الموقف عام 1946.. عندما عرض وزير المالية عبدالرحمن البيلي مبلغ عشرة آلاف جنيه لمساعدة جريدة "الدستور".. وكان رد حافظ: 

* أظن أن هذه المبالغ تتعلق بإدارات الصحف. لا برؤساء التحرير. وسوف أبعث إليك مدير إدارة الجريدة لتخاطبه في هذا الموضوع. 
وعندما تزايدت الحملة علي "المصروفات السرية" عام 1949. أعلن المرحوم المهندس حسين سري. أنه يريد إلغاء هذا الباب من الميزانية.. ويحولها إلي مصروفات علنية. علي أن يكون لنقابة الصحفيين تحديد المستحقين وحيثيات استحقاقهم.. واستشار حافظ الذي كان نقيباً بالنيابة. الصحفي الكبير فكري أباظة.. الذي اتفق معه في الرأي. ورفض هذا العرض.. وأيد مجلس النقابة هذا الموقف. 
لم يفرط حافظ محمود في كرامة المهنة.. سواء في العهد الملكي.. أو في زمن ثوار يوليو. 
عندما كان رئيساً لتحرير صحيفة السياسة.. طلب منه أحد الباشوات من الذين ينفقون علي الصحيفة. بنشر مقال رفضه حافظ محمود.. غضب الباشا وقال: لن أغادر الصحيفة قبل أن ينزل المقال إلي المطبعة.. رد حافظ: 

* والمقال لن ينزل.. ويجب أن تنزل أنت فوراً.. وطلب حافظ الساعي ليأمره بإخراج هذا الباشا. الذي كتب مقالاً وهو لا يعرف شيئاً عن الكتابة. 
كان عمر حافظ وقتها 27 عاماً.. وأعتقد أن الدكتور محمد حسنين هيكل. رئيس حزب الأحرار الدستوريين. والذي عين حافظ رئيساً للتحرير رغم سنه. سيغضب من تصرفه مع الباشا. فتوجه إلي سكرتير الباشا وقدم استقالته حتي لا يحرجه. 
ويروي حافظ في حواره مع "إبراهيم عبدالعزيز".. أن الدكتور هيكل استدعاه غاضباً.. ما هذا الذي تفعله معي؟!.. كيف تترك الجريدة بسبب جاهل بدرجة باشا؟!! 
لم يكن هذا هو الموقف الوحيد الذي يظهر حرص حافظ محمود علي كرامة الصحفي.. وأن قلمه لا يُباع ولا يُشْتَري.. ويحسب لرئيس حزب الأحرار الدستوريين.. أنه سانده في مواجهة أصحاب الأموال من رجال الحزب الذين يمولون الجريدة. 
ويروي حافظ محمود في حواراته.. أن المليونير أحمد عبود باشا. عرض عليه شيكاً علي بياض وطلب منه أن يدون به الرقم الذي يريده علي ألا يزيد علي مائة ألف جنيه.. مقابل أن يتوسط لدي رئيس الحزب ليقبل انضمامه في صفوفه. 
ولم يكن بمقدور حافظ أن يخفي الأمر علي رئيس الحزب.. وكان رد محمد حسين باشا حاسماً.. أليس هذا طلب العضوية والشيك؟!.. وألقي بهما علي الأرض.. وقال لحافظ: كان يجب أن تفعل مع عبود باشا مثلما فعلت أنا الآن.. قل له عندما يأتي إليك: حزب الأحرار لا يتعامل مع مَن هم مثله "كان عبود باشا علي صلة بالإنجليز". 
الأمر الملفت للنظر.. أن حافظ كتب تلك الواقعة. ووقائع أخري عديدة.. دفاعاً عن صحافة ما قبل الثورة وعن الشرفاء من رجال الأحزاب المصرية.. ولم ينكر الفساد الذي ساد بين عدد من الحزبيين.. وكان يرفض أن يضع الجميع في سلة واحدة. 
وفي صيف عام 1979. طلب الرئيس السادات الاجتماع بالقيادات الصحفية في استراحته بالمعمورة في الإسكندرية.. وهاجم الصحافة والصحفيين بقسوة بالغة.. خصوصاً صحافة ما قبل الثورة. 
ورد حافظ علي الرئيس السادات بقوله: 

* إن صحافة ما قبل ثورة يوليو.. قدمت الكثير من الضحايا شهداء وسجناء.. وأنت تعلم ذلك.. وتعلم أن أكبر حملة صحفية مهدت لنجاح الثورة هي حملة الأسلحة الفاسدة!! 
.. ولولا مراعاة السادات للعلاقة القديمة بينه وبين حافظ. لما احتمل تلك العبارات. 
يروي حافظ محمود قصة معرفته بالسادات.. فيقول: 

* إنها بدأت عام 1944 عندما كان السادات مفصولاً من الجيش. حيث كان يتردد علي جريدة "السياسة" التي كانت واحدة من صحف المعارضة. لتجنيد بعض شباب حزب الأحرار الدستوريين. في الحركات الوطنية السرية. وقد ازدادت هذه العلاقة توطيداً واستمرت كذلك بعد ثورة 1952. 
ويفسر حافظ محمود سر غضبة السادات علي الصحفيين ونقابتهم بقوله: 

* كان السادات ينتظر دائماً من النقابة أن تتخذ موقفاً من الزملاء الذين يعارضونه. عبر الصحف التي تصدر خارج مصر. وكان يقول إنه طالما أن هناك حقوقاً للصحفي. فلابد أن تكون عليه واجبات. وكما تحمي النقابة أعضاءها. فلابد أن تقوم بمحاسبتهم. 
بينما يري النقابي حافظ محمود.. أن وظيفة النقابة الدفاع عن أعضائها في محاكمتهم. لذلك لم تكن العلاقة بين السادات والنقابة قائمة علي المودة. 
وما أكثر الخلافات بين حافظ وثوار يوليو. كان أبرزها عند مذبحة الصحفيين عام 1964. ونقلهم إلي محلات "السمك.. والأحذية".. وكان موقف النقابة حاسماً في مساندة الزملاء. 
سطور من تاريخ نقابي شريف.. كان حارساً علي تقاليد المهنة.. "حافظ محمود"