محاولة للفهم

نصف قرن في بلاط الجمهورية (8)

بقلم .... رياض سيف النصر

الخميس 20 فبراير 2020
رياض سيف النصر

 

لم يدر بخلدي أن لقائي الأول مع رئيس التحرير محسن محمد سوف يسفر عن فصلى من الجمهورية "ثمان سنوات" (79-87).

وبالرغم من مرور السنين لم أتوصل حتى الإن الى إجابه تريحني عن السبب الذي دعاه أن يعترف أمام بأمور لا أظن إنه أعلنها لغيري، رغم ما يعرف عنه من انه يتميز بقدرات فائقة على كشف (عوراته) من أجل أن يسد الطريق أمام خصومه.

لقد حرصت على أن أتجنب أي احتكاك برئيس التحرير منذ توليه المسئولية

تحصنت بالعمل في الدسك ... امضي ساعات محددة في السهرة مساء كل يوم وينتهي الأمر.

حمد الله إنني لم أكن ضمن خريطة اهتماماته المتعددة سواء في تطوير الجريدة أو تنفيذ تعليمات رئيس الجمهورية وكانت سعادتي لا تقدر عندما يمر الرجل على "الدسك" ويتجاهل وجودي تماماً.

ومن جانبي كنت احرص على أن أبدو مستغرقا في قراءة موضوع أو صياغة خبر حتى أتجنب أي مداخلة بيننا

أول مرة نتحدث معاً كانت عقب صدور الطبعة الأولي من الصحيفة ويتصدرها مقال لرئيس التحرير.

بعنوان (أين صلاح محمد علي؟) ويتحدث عن ضابط شرطة سابق كان يعمل في امن التليفزيون، وثبت إنه يعد تقارير غير أمينة اساءات الى زوجته السيدة/ هند أبو السعود، وعندما اكتشف أمره تم إبعاده عن التلفزيون.

وبالصدفة كنت أعرف صلاح عن طريق صديق عمري/إسماعيل عبد الحكم الذي زامل/ صلاح في مدارس الحليمة واستمرت العلاقة قائمة حتى وفاتهما رحمهما الله

اتصلت بصلاح تليفونيا لأطمئن عليه، وأخبرني انه عاد الى عمله وأصبح وكيلاً للمخابرات العامة.

ويبدو أن الزميل محمد الحيوان رحمه الله كان يتابع المكالمة انسحب من الدسك وعاد معه رئيس التحرير الذي سألني، هل عاد صلاح الى المخابرات حقاً؟ وجاء ردي هو أبلغني بأنه عاد.

اخذ يهاجمه ويتحدث عن التقارير المزيفة ولم أعلق.

الواقعة الثانية تتعلق بمنشورات كان يعدها زميلنا المرحوم عادل سليمان يتناول حياة رئيس التحرير الخاصة وسيرة زوجته.. وهي أمور لم نعتدها في خصوماتنا في الجمهورية

كان عادل لا يكتفي بتوزيعها داخل المؤسسة إنما إيضاً في العمارة التي يقطن بها محسن.

جاءا عادل في إحدى الليالي الى الدسك ليوزع منشوراته ورفضت أن أتسلمها وعبرت عن رأي إنه لا يجب الهبوط بمستوي الخلافات الى هذا الحد وأن هناك أمور عديدة يمكن انتقاد الرجل بشأنها.

ولم أسلم من هجوم عادل.. وكان رحمه الله لا يراعي الحفاظ على الزمالة عندما يغضب.

وفوجئت بعد ساعات بمجيء محسن الى الدسك وبيده عدة أوراق قال إنها المنشورات التي يوزعها عادل على سكان عمارته وعلى البوابين في الشارع والذي يقيم به وقال لو افترضنا إن ما تتضمنه تلك المنشورات صحيحاً فما ذنبي أنا في تصرفات تخص زوجتي.

وأظن إن رسالة الرجل وصلت الي الذين يوزعون المنشورات انه لن يهتم بها أو بهم وسيوزعها نيابة عنهم

مرت الواقعتان بسلام وحمدت الله إن الرجل لم يحرص على إجراء حوار بيننا وانه اكتفي بزملاء كثير سيتعاونون معه ويتولى نصحهم وتشجيعهم.

ولكن فوجئت باتصال تليفوني منه بمدير التحرير يطلبني عقب صدور الطبعة الأولي.

توجهت الى مكتبة دون أن اعرف سبب اللقاء الذي تمنيت أن يمر بسلام وينتهي في أسرع وقت

رحب بي وطلب مني الجلوس قائلاً أريد أن اتحدت معك.

بدأ حديثه عن رئيس التحرير السابق مصطفى بهجت بدوي ووصفه بانه رجل فاضل وشريف ولكن يبدوا أن ينقصه الإلمام الكافي بالتاريخ.

يبدوا أن ملامح وجهي كانت تشير الى اعتراضي المكتوم فأنا اعلم جيدا أن الرجل كان عاشقا للتاريخ وملماً بأحداثه.

واصل حديثه لم تسألني كيف؟ الشاعر مصطفي بهجت لم يدرس التاريخ الفرعوني بالقدر الكافي ولم يستفد من دروسه وان أي أجراء للفرعون الجديد هدم منجزات السابق.

تصور الشاعر وكان يحرص طوال الحديث على وصف مصطفي بانه مجرد شاعر

أن السادات دون أن يسبقه صفه الرئيس ينبغي أن يسير على خطي عبد الناصر بينما رجل الشارع البسيط يردد أن السادات يسير على طريق عبد الناصر باستيكة 

اندهشت من حديث الرجل فهل استدعاني لتقيم مسيرة مصطفي بهجت الذي رحل عن الجمهورية منذ شهور وما دخلي أنا بآراء رئيس التحرير الجديد في السابق وتمنيت أن يفصح الرجل عن السبب الذي استدعاني من أجله اعتدل الرجل في جلسته وواصل حديثه

اسمع يا رياض "أول مرة يناديني باسمي" أنا عمري 49سنة ولدي خبرات واسعة وأنت ما زلت شاب صغير خبراتك في الحياه محدودة وربما لا تدرك أن الفرصة تأتي مرة واحدة والأذكياء وحدهم الذين يستفيدون بها ويستغلونها كما يجب أما الأغبياء فلا يستحقون أن ينالوا نصيبهم من الشهرة واعتلاء المناصب، وأنا أكره الأغبياء

ما زلت أتعجل أن يعلن الرجل عما يريده مني ولا أدرى ما علاقتي أنا بالحديث عن الأغبياء والأذكياء.

واصل محسن حديثة بمحاس شديد

السادات دون ذكر كلمة الرئيس اختارني لتحقيق هدف محدد أن أخلص الجمهورية من الشيوعين الذين يسببون له صداعاً وينتقدون سياساته، ووعدته أن انفذ المهمة وقد منحني سلطة اتخاذ أي قرار وان ينفذ على الفور وأظن أنني نجحت في أداء المهمة صدمتي صراحة الرجل فما الذي يدعوه الى قبول تلك المهمة التي تتعلق بمصير الزملاء، وهو من يمتلك مواهب صحفية كانت تغنيه عن قبول تلك المهام الرديئة.

يبدو انه قرأ أفكاري واصل حديثه أسألك لو لم أقبل تلك المهمة لن يعجز السادات عن العثور على عشرات من كبار الصحفيين يقبلونها ويفصلون الصحيفين دون تردد قبلت هذه المهمة لأنني احرص على هذا الكرسي الذي اجلس عليه وهو يستحق.

تذكرت على الفور مقوله مصطفي بهجت بدوي هذا الكرسي وجد لكي نبصق عليه وتاريخ طويل لرؤساء تحرير عملت معهم واحترموا أنفسهم كما احترموا مهنتهم.

وكانت بين آراء الموهوب محسن محمد ومواقف هؤلاء

شعرت بدوار شديد وارتقعت دقات قلبي وبدت الصدمة واضحة على وجهي

واصل الرجل

ربما تعتقد إنني أكره الشيوعين بالعكس أقرب أصدقائي منهم واسأل صديقك فيليب جلاب ... أو نبيل زكي عملنا معاً في الأخبار تحت رئاسة الأستاذ خالد محي الدين وهو صاحب أفضال لا تتكرر ويكفي انه حتى الإن يرسل الى من مزرعته "العسل" بطعم البرتقال الذي يندر أن تجده في أي "سوبر ماركت" خالد محي الدين من أشرف ضباط يوليو وهو يلقى محبه كل من عرفوه وانا أحدهم تمر فترة صمت.

ولكن السادات غاضب على محي الدين لذلك لن أتوانى في الهجوم عليه إرضاء للسادات.

ويستكمل حديثه بينما قلبي يكاد يتوقف .... أخترت الصحافة لإنها مهنة محترمة وحديث الرجل الموهون يفقدها كل الاحترام،

"واصل حديثه"

تخيل أن خالد محي الدين تولي رئاسة مصر ساعتها لن أتردد في مساندته ودعمه... ورفع شعبيته في الشارع وانا اعرف كيف أفعل ذلك وليس كما يفعل "الشيوعين" بعبارتهم الجنجورية التي لا يفهمها الشارع بدأت أتعجل أن ينتهي لقاء. لم أشارك في بكلمه واحدة

وتلقيت خلاله صدمات شديدة ما كنت أتصور يوماً أنها قابلة للحدوث وازعم إنني اقتربت ولم يمض على تعيني سنوات معدودة.

من رؤساء تحري كثير ولم أسمع من أحدهم ما سمعته في هذا اللقاء الصادم وشعرت ساعتها أن البلد التي تحول كتابها الموهوبين الى مزيفين للواقع من أجل الحفاظ على كراسيهم هي بلد توجه محنة حقيقة ويستمر الرجل من شرح نظريته.

دور الصحفي أن يساند الرئيس ... طالما أن الدولة هي التي تنفق على الصحافة ولا يتصور أن يتم اختيار رئيس تحرير لا يساند رئيسه في كل موافقة

ولا يجب أن يسمح لصحفي يحصل على راتبه من الدولة أن يعارض تلك السياسية إلا سيجد نفس مصير الأستاذ/ مصطفي أمين

نسب الى مصطفي أمين انه عميل للمخابرات الأمريكية وليس هذا صحيحاً على الأطلاق استفاد عبد الناصر من صلات الرجل بالمسئولين الأمريكيين وعمل سنوات وسيطا بين عبد الناصر وأمريكا وحقق في هذا المجال إنجازات عديدة

ولكن لم يتصور أن بعض تعليقاته التي تنتقد النظام ستكون زريعة من الأجهزة لاتهامه بالعمالة والرجل كان وطنياً حتى النخاع وخطا انه لم يدرك أن عبد الناصر لا يغفر للذين ينتقدونه واصل حديثه.

من يستفيد من تلك التجارب من الصحفيين الشبان الذين لديهم طموح للحصول على المناصب والاقتراب من أصحاب القرار وزيارة دول العالم هم الأذكياء وحدهم مرت لحظة صمته طويلة ويبدو أن الرجل قرأ مدي انزعاجي الذي كان باديا على وجهي وسألني الم تلاحظ إنك لم تنطق بكلمة واحدة طوال جلستنا الطويلة

قلت ...أقدر يا سيدي ثقتك الغالية، في شاب لا تعرف عنه الكثير، ولم تبخل بتقديم خبرة 49عاماً بكل صدق، ولكني بحاجة الى إعادة تقييم العديد من الأفكار التي أؤمن بها وربما اختياري مهنة الصحافة.

وأتعشم أن تقبل منحي إجازة لمدة عام وربما أتوافق خلاله مع نفسي.

ظهر الغضب على وجه الرجل، ولا بد انه شعر بالندم لأنه لم يختر الشخص المناسب، وإنه ضيع ساعات من وقته فيما لا جدوى منه.

سألني.. الي أين ستذهب؟

في اغلب الأحوال الى قريتي في الفيوم هناك ساجد الهدوء الذي يمكنني من التوصل الى القرار السليم

قذف أمامي بورقة دشت ... وقال كتب طلب أجازه وكان من سطر واحد السير رئيس مجلس الإدارة أرجو منحي إجازة لمدة عام.

كتب بخط كبير أوافق

وقال اسمع لو كان بمقدوري أن أمنحك إجازة لسنوات لفعلت ولكن بعد نهاية العام لا تأتي الى الجريدة وإنما أرسل طلب الإجازة بالبريد وسيصلك الرد فوراً

قلت ... ولكن كيف أضمن الحصول على الإجازة في السنوات القادمة.

رد ... اطمئن أنا لا أحر ص على أن يتواجد معي سوي الأذكياء الذين ينتهزون الفرص ويستحقون التقدم سأوافق على الإجازة طالما أنا موجود في هذا المكان أعدك ولن أخلف وعدي.

خرجت بسرعة تتابعيني بنظراته التي تعبر عن ندمه بانه لم يختر الشخص المناسب.

بعد عام أرسلت بالبريد طلب الإجازة ورفضه رئيس التحرير محسن محمد.. وقرر فصلي الذي استمر 8 سنوات

والحكايات عما جري للصحافة مستمرة