محاولة للفهم

نصف قرن في بلاط الجمهورية (9)

بقلم .... رياض سيف النصر

الخميس 27 فبراير 2020
رياض سيف النصر

لم أكن وحدي من أقتنع بمنطق رئيس تحرير الجمهورية (محسن محمد) الذيأكد عقب موافقته على منحى إجازة لمدة عام بأنه سيوافق على تجديدها عندما يحين وقت تجديدها (صدق تلك الوعود أيضاً الزملاء الذين حصلوا على إجازات، ونصحهم بأن يرسلوا طلبات التحديد عن طريق البريد بعد نهاية العام، وسيوافق عليها فوراً، دون حاجة للمجيء للجمهورية) طالما يرأس تحريرها

المنطق يدفع لتصديق الرجل الذي انجز المهمة التي كلفه الرئيس السادات بها على أكمل وجه، والذين حصلوا على إجازات بدون مرتب لا شك انهم سهلوا تلك المهمة ولم يعد هناك أي مبرر لإصدار قرارات الفصل.

ولكن منذ متى والأمور تخضع للمنطق والعقل، قبل شهر على انتهاء مدة الإجازة أرسلت من الخارج طلب الموافقة على تجديدها وردت الإدارة بعدم الموافقة على المد وضرورة عودتي الى العمل خلال شهر. وبالطبع لم أتمكن من العودة ... وجاء الخطاب الثانيأنالمهلة انقضت دون عودتكم وغيابكم بعدها مده تزيد عن خمسة أيام متصلة دون أذنأو عزر مشروع لذا نخطركم بأنه في حالة عدم عودتكم لاستلام العمل بالمؤسسة خلال خمسة عشر يوماً من تاريخه سنضطر آسفين الى إنهاء عقد عملكم بسبب الغياب وصدر قرار الفصل

تكرر إرسال هذا الخطاب الى باقي الزملاء وبالرغم من إننا أبلغنا الإدارة بعناويننا في الخارج إلاأن الخطابات أرسلت على عناوين الداخل. حتى تضيع على الذين يرغبون في العودة وإنهاء تعاقداتهم أية فرصة في الاستجابة.

وتم فصل كل من أمير إسكندر، وعبد السلام مبارك، وكمال القلش، وجمال السيد، الذين تعاقدوا للعمل في العراق.. وسبقهم الصديق المرحوم نبيل ذكيالذي اضطر للحصول على إجازة من الأخبار.

وتسلمت رسالة من أمير إسكندر يبلغني انه لا توجد مشكلة في توفيق عمل لأي زميل وانهم لم يتعرضوا لأي تدخل فيما يكتبون وأضاف ... " أنا أرى أنه ليس من الحكمة أن نضع كل البيض في سلة واحدة" التحق آخرون بالعمل في الجزائر ومنهم من اتجه الى دول الخليج وبقي في الجمهورية "عدد محدود" سواء عن قناعة بقدرات رئيس التحرير محمد المهنية أو لأنهم غير راغبين في مغادرة الجريدة والبلد والحقيقة أن أحد من الذين غادروا لم يكن أقل منهم رغبة في البقاء ولكنهم تجنبوا قرارات النقل العشوائية.. والفصل.. واحياناً الاعتقالات كما حدث مع صلاح عيسى وآخرين.

وفرضت ظروف خاصة بيأن اتجه الى ليبيا استجابة لدعوى صديق عمري محسن الخياط، وفى وقت كانت العلاقات بين القذافي والسادات في أسوأ أحوالها. ويحسب للشعب الليبي انه لم يغير معاملته للمصرين ... ولم تنعكس الاتهامات المتبادلة بين الرئيسين والتي لم تقصر وسائل الإعلام في نقلها (!!) سواء على المصرين أو الليبيين.

تعامل الجميع مع تلك الخلافات .... وكأنها تخص الرئيسين وحدهما ولا علاقة بالشعبين الشقيقين بها.

قدمني الخياط الى المفكر القومي جمعةالفذانيالذي كان يصدر مجلة " الشاهد " التي تعبر عن التوجهات القومية. ورحب الرجل بان أساهم في إصدارها وان كانت التعاقدات متوقفة بسبب الخلافات بين الرئيسين. التي يتمنى الجميع أنتنتهي لتأثيرها على الشعبين، وللأسف كانت الخلافات بينهما تزداد اشتعالا ... بينما الحملات الإعلامية في مصر توجه ضد السياسيين المصريين الذين اضطروا للعمل في ليبيا وتتهمهم بالعمالة للقذافي وانهم يحصلون على الملايين بينما الرواتب في ليبيا كانت لا تكفي احتياجات الأسرة اليومية لولا تدخل الدولة لكبح الأسعار. لم يعد التفكير في العودة سهلاً بعد تلك الحملات ولا البقاء في ليبيا سهلاً بسبب القوانين التي صعبت من التعاقد مع المصريين.

قضيت في ليبيا أكثر من ثلاث سنوات لم يخفف من معاناتى سوى وجود أصدقاء قدامى من أشرف المناضلين المصريين.

من بينهم جمال الشرقاوي زميلنا في الأخبار. وممدوح عزت المحامي وصلاح مغيث المناضل الناصري ومن أفضلوأنظف الأصدقاء المصرين الذي عرفتهم في حياتي.

ولولا وجود هؤلاء وغيرهم من الأصدقاء الليبيين في مقدمتهم احمد إبراهيم الفقيه وجمعه الفزانى ومحمدالشويهدىوالبوصيري عبد الله ، وغيرهم الذين خففوا من شعوري بالغربة ولكن حرماني طوال تلك السنوات من زيارة مصر خشية من فبركة قضايا ضدي كان له تأثير عميق على انخفاضمعنوياتي وجاء الخطاب الذى ألقاه الرئيس السادات أثناءاحتفالات الصحفيين بعيد نقابتهم الأربعين ليضف الصحفيين الذين اضطروا للعمل في الخارج ويعلن انه يرحب بعودة كل الصحفيين الى أرض الوطن والى مؤسساتهم الصحفية وتلقى الصحفيون في الخارج خطابات من محمود سامى سكرتير نقابة الصحفيين يؤكد الحفاظ على الحقوق المادية والإدارية لكل عاد ويقدر ونقدر ما أدى خطاب السادات الى وقف الحملات المعادية التي استهدفت تشويه سمعة الصحفيين المعارضيناعادالأمل بان السادات قرر إصلاح مسار الصحافة المصرية والا تقتصر على المؤيدين وحدهم وإنما المعارضين أيضاً و ثبت أن تلك الآمال كانت مجرد سراب، وتوالت اتصالاتنا بالنقيب صلاح جلال الذي دعمته المؤسسات الصحفية في الانتخابات وفقاً لتوجيه الرئيس السادات وكذلك الزميل محمود سامي وأكد أن النقابة مسئولة عن أعادتنا الى مؤسساتنا.

وجاء حادث المنصة الذي استهدف رئيس الجمهورية ليؤجل مساعي العودة بعض الوقت، خاصة أن الرؤية كانت غير واضحة حول موقف الرئيس الجديد حسنى مبارك من الصحفيين في الخارج، وعما أذا كان سيلتزم بوعود الرئيس السابق، أم يتراجع عنها.

وبدأت الاتصالات من جديد بالنقيب الذي أكد أن الرئيس مبارك يقدر الأسباب التي دفعت الصحفيين الى مغادرة البلاد والعمل في الخارج وأن تلك الظروف تغيرت تماماً وليس لديه أي موقف من المعارضة.

سارعت بالعودة للقاهرة.. وتوجهت على الفور الى مبنى الأهرام للقاء النقيب الذي استقبلني بترحاب.. وأجرى اتصالاً برئيس تحرير الجمهورية. محسن محمد ودار بينهما هذا الحوار.

النقيب استجاب رياض للعودة الى أرض الوطن استجابة لمناشدة النقابة ولدعوة الرئيس السابق السادات ونريد أن نتفق على إجراءات عودته للعمل... كما وعدناه.

محسن ... واجب النقابة ينحصر في التدخل لعودة المفصولين أما قرار العودة فهو من اختصاص مجلس الإدارة الذياتخذ قرار بالتراجع في قرارات الفصل لذلك لن نعيده. النقيب ولكن النقابة مسئولة عن عودته والرئيس السادات وعد بأن الجميع رحبا بهم وأظنك تعلم أن الرئيس مبارك في أشد المتحمسين لإعادتهم

كلامي واضح وأذكرك بأنه لم يكن بمقدورك الحصول على موقع النقيب لولا المؤسسات الصحفية.

حيشتالصحفيين العاملين بها لانتخابك .... وكانت الجمهورية في المقدمة أرجوألا تغيب عنك تلك الحقيقة.

وضع النقيب سماعة التليفون وبدى عليه الإجهاد الشديد وخشيت على الرجل فأنا اعلم انه مريض.

حاولت أن أخفف من صعوبة الموقف وأؤكد له اننى لم أكن انتظر من محسن محمد أنيعيدني.. ويكفينيأننى عدت بسلامة الله الى أرض الوطن.

بعد إن التقط النقيب أنفاسه بدأ يشكوا من تصرفات رؤساء تحريرالصحف القومية معه. قال "منعوني من مرافقة الرئيس مبارك في رحلاته بحجة اننى لا أكتب عن الرحلة وتمكنوا من تشويه صورتي لدى الرئيس سألت كيف قال عقب حادث المنصة وتولى الرئيس مبارك حاولت أن أقدمه للقراء على إنه يختلف عن الرئيس السادات الذي كان يعلن بإنه آخر الفراعين ... وكتبت إن مبارك إنسان عادى يشترى احتياجاته من الأسواق وهو شديد البساطة في حياته اليومية وغيرها من الأمور التي تقربه من المواطنين

فوجئت عندما التقيت بالرئيس في إحدى المناسبات وجه الى لكمة قوية وهو يداعبني قائلاً

"ألا يعجبك أنى زعيم مثل من سبقوني

يضيف النقيب " أقسم أنى لم أغادر المنزل لمدة أسبوع متأثر من لكمة " الرئيس " لقد أقنعوه اننى أقلل من شأنه ولا أشبهه بعبد الناصر أو السادات ولم يكن ذلك مقصدي بالعكس كنت أود أن أقربه لمواطنيه الذين سئموا حكم الفراعين ولم يستطيع النقيب أن يغالب مشاعره رغم محاولته أن يجف دموعه

واحتضنه.. وخرجت بسرعة لم يعد لوجودي خلال تلك اللحظة الإنسانية معنى.