رواية بين العطر والنغم (٣) 

أماني عطاالله - تكتب

الحلقة الثالثة من أحداث رواية بين العطر والنغم للكاتبة أماني عطاالله، التي لاقت  ترحيبا واقبالا بين زوار معرض الكتاب الدولي للكتاب 2020، إليكم الأحداث...


قادته قدماه في وهن إلى أحد الكراسي البلاستيكية الملتصقة بالجدار.. القى فوقه بجسده المنهك ودفن وجهه بين كفيه.. الوضع أصعب كثيرًا من أن يحتمله.. اليوم خسر أكبر صفقاته في الحياة.. الصفقة الوحيدة التي اتبع فيها إحساسًا أهوج قاومه لسنوات طويلة حتى ظنه رحل استسلامًا.. فإذ به كان يُهادنه حتى يتوغل ويتغول ويتمكن منه.. قبل أن يعود ويضربه في مقتل.. الضربة القاضية..  
شعر بأحدهم يربت على كتفه فرفع وجهه في مزيج من الحزن والتوعد.. كانت والدته التي ما إن رأت نظراته التي صوبت نحوها كسهام مسمومة حتى أحنت رأسها مجددًا.. وكأنها هي أيضًا شريكتهم في المؤامرة.. وكأنها كانت على عِلم مسبق بما يحدث.. والدته.. حتى والدته تآمرت معهم ضده..!  
غمغم في ثورة مكبوتة يعاتبها: 
-    أخبرتِني بأنها كادت تطير فرحًا لزواجها مني.. قلتِ أنها كانت تنتظر قدومي في شوق ولهفة ما بعدها لهفة.. أوهمتِني أنها تريدني.. أنتِ أمي.. فلماذا.. لماذا خدعتِني.. لماذا كذبتِ عليَ؟ 
عضت والدته على شفتيها ولم تعلق رغم قسماته التي تحثها على الحديث.. ولكن بماذا تخبره..؟!  
ناردين هي الزوجة التي لطالما تمنتها له.. والده كان يتحدث كثيرًا بشأنها.. هو أيضًا كان يريد الأمر ذاته حتى أنه فاتح والدها في أمر زواجهما.. ولكن الأخير كان يرفض مجرد الحديث في الموضوع قبل أن تنتهي ابنته من دراستها الجامعية...
كل صور الفتيات التي داومت على إرسالها إليه يومًا بعد آخر.. لم تكن سوى مسكنات لتؤجل زواجه حتى تحين اللحظة.. كانت على يقين داخلي بأن أية واحدة منهن لن تجذب انتباهه إليها .. أرسلتها فقط لترسخ في ذهنه فكرة واحدة.. حتمية زواجه من شرقية مصرية. 
كانت تخشى أن تفتنه غربية غريبة فيتزوجها لينجب منها أحفادًا غرباء الوطن والطباع.
كانت تنتظر على أحر من الجمر حتى تنتهي ناردين من دراستها.. هي الوحيدة التي استطاعت أن تشغل تفكيره قبل سفره إلى لندن.. نظراته إليها فضحته مرارًا رغم إنكاره.. لم تنسَ أبدًا كيف كان يراقبها خلسة يوم جنازة والده.. لو لم يكن في بداية مشوار حياته ومشروعاته العملية حينها لربما طلبها للزواج بنفسه.
تنهدت في عمق وهي تتذكر الصدمة التي أصابتها عندما اختلت بـ ناردين لتفاتحها في أمر زواجها من آسر.. كانت تأمل في أن تُقنع الفتاة به فترغم الأخيرة والدها على قبول زواجها منه والسماح لها بإكمال دراستها في منزله بـ لندن.. لكن سعادتها تبخرت عندما بادرت الفتاة وأخبرتها بأنها تعشق زميلًا لها في الجامعة.. يكبرها بثلاثة أعوام. 
فقدت يومها النطق وهي تتمعن في ناردين التي أضاء وجهها سعادة وهي تتحدث عن ذلك الذي كادت أن تتخلى عن عشقها  لـ الكمان وتتخصص في دراسة الغيتار لمجرد أن الأخير هو آلته المفضلة..! 
أخفضت نبراتها حتى لا يصل صوتها لوالديها.. وصارحتها وهي تجاهد للتحكم في انفعالاتها.. بأنه اشترك في فرقة الجامعة خصيصًا من أجلها.. رغم انشغاله الدائم بالعمل ليل نهار.. فرقته التي كونها من أمهر العازفين.. تحيي الحفلات والسهرات في أكبر فنادق القاهرة.. بل في أرقى المناطق السياحية أيضًا.. قريبًا سوف يحيي عروضًا في الأوبرا.. أخبرها بضرورة أن تجتهد في دراستها وتنهيها بتفوق حتى يضمها إلى فرقته المميزة. 
صمتت الفتاة أخيرًا وانتظرت ردًا منها.. تلعثمت المرأة:
-    ولكن.. والدك.. ربما لن يسمح لكِ بالعمل في فرقة موسيقية جوالة.
ضحكت ناردين في لامبالاة قائلة:
-    لن يكون لأبي السلطة حينها.
تأملتها المرأة في تساؤل فأردفت بالسعادة ذاتها:
-    رامز.. حبيبي.. سوف يتقدم لخطبتي بمجرد انتهائي من دراستي للموسيقى.. هو أيضًا مثلي.. ينتظر زواجنا بفارغ الصبر.
اعترافات ناردين يومها أفقدتها الأمل في إمكانية اتخاذها زوجة لـ آسر.. خاصة بعد أن اتخذتها الفتاة صديقة مقربة لها وراحت تقص عليها مغامراتها العاطفية مع حبيبها العازف الشاب.. كانت تحلم معه باليوم الموعود.. كادت تطير فرحًا وهي تحسب الأيام المتبقية بالساعات والدقائق.. 
لكن ما إن جاء ذلك اليوم بالفعل وتقدم الشاب لخطبتها.. حتى فوجئت بوالدها يرفضه رفضًا قاطعًا غير مبالٍ بثورة ابنته.. التي اعترف بأنه دللها أكثر مما ينبغي.. راح يعنفها في قسوة لم تعتدها منه.. قسوة أيقنت معها بأن عنادها ووقوفها في وجهه لن يزيداه إلا عنادًا هو أيضًا.. اقتنعت بضرورة البحث عن حل بديل يكون أكثر حكمة وحنكة..
ولم تجد سواها.. لتطلب منها الوساطة حتى يستجيب والدها ويرضخ لزواجها بمن تحب..! 
ورغم كونها لم تقتنع بكل المميزات والفضائل التي حاولت ناردين وصف حبيبها بها.. إلا أنها استجابت لرغبتها وذهبت لتحدث والدها في الأمر عله يتراجع عن قراره ويمنحهما موافقته للزواج .. الزواج قسمة ونصيب.. يومًا ما سوف يعوض الله ابنها خيرًا ويرزقه بالزوجة الصالحة التي تدعو الله ليل نهار بأن تكون شرقية الطباع والجذور.
استشعرت الحرج عندما أخذ الرجل حديثها باستهانة ولامبالاة قائلًا بأنه لن يغامر بسعادة ابنته الوحيدة.. لن يزوجها من عازف متجول يمضي وقته بين الراقصات والسكارى.. بل ويريدها هي أيضًا أن تشاركه العمل في هذه الأجواء المسكونة بكل الأرواح النجسة.. بحسب تعبيره. 
ولم يكتفِ برفض وساطتها فقط.. بل فوجئت به يصارحها بأنه قرأ الفاتحة مع زوجها رحمه الله بشأن ابنته وآسر.. ابتسم في فخر وهو يتحدث عن وحيدها قائلًا بأنه الزوج الذي يأتمنه بالفعل على مصير وحيدته وسعادتها.. يكفي كونه امتدادًا أصيلًا لصديقه الحميم. 
وقعت المرأة في مأزق وهي تستمع إلى الرجل شاردة وهو يمتدح في خصال ابنها وأخلاقه وقدرته على تحمل المسئولية كرجل حقيقي يختلف عن هذا المُخنث الذي تريد ابنته الطائشة الارتباط به........
ماذا ستظن فيها ناردين الآن؟ 
كيف ستتقبل الأمر؟  ستظن بأنها كانت تخدعها كل الوقت لتتجسس على أحاسيسها ومشاعرها.. ربما سوف تظن أيضًا بأنها كانت تنقل أخبارها لوالدها أول بأول..! كانت تتظاهر بأنها صديقة مخلصة تسعى لمساعدتها بينما هي تسعى خفية لإجبارها على الزواج من ابنها....
قطع مصطفى أفكارها:
-    حان الوقت لننفذ وصية صديقي العزيز رحمه الله.. ارسلي برقية لـ آسر واخبريه بالأمر. 
وجدت والدة آسر نفسها لا إراديًا تنجذب معه لتنفيذ ما يريده.. ليس اقتناعًا منها فقط بما قاله عن هذا العازف المتهور الذي سيسبب التعاسة حتمًا لـ ناردين حال تزوجها.. بل لتحقيق رغبة زوجها التي كانت تعشقه بكل جوارحها.. والتي لمست منه هو شخصيًا تلك الرغبة. 
ستكون سعيدة وهي تتخيل سعادته في عالمه الآخر. 
تألمت وهي ترى رد فعل الفتاة الغاضب بعد أن علمت بالأمر.. في عينيها لمحت كل الاتهامات التي كانت تخشى أن تتهمها بها.. ثارت وهاجت وصرخت وتوعدت.. ولكنها همدت واستكانت في النهاية.. وبدا وكأنها استسلمت للأمر الواقع بعد أن فوجئت بصلابة والدها التي حطمت كل اعتراضاتها وتوسلاتها أيضًا. 
كان عزاء المرأة الوحيد هو يقينها بأن ابنها آسر قادر على إسعاد ناردين.. خاصة وأنه قد اتصل بها في نفس اليوم الذي تسلم فيه خطابها ليخبرها بأنه موافق هذه المرة على الزواج من الفتاة التي اختارتها له.. حدسها كان حقيقيًا.. آسر كان مأخوذًا بها.   
الفتاة صغيرة وطيبة القلب وسوف تنسى ذلك العازف التعس بمرور الوقت.. كانت هي أيضًا قد تعرضت لقصة مشابهة لقصتها يوم كانت مراهقة جياشة المشاعر.. لم يمض وقت طويل بعد زواجها من والد آسر حتى أقرت بأنها كانت مخطئة حين ظنت بأنها كانت تعشق غيره يومًا.
تنبهت من شرودها وقطعت أفكارها عندما نهض آسر فجأة واتجه صوب حميه وعيناه تستعران.. تفحصه الرجل في مزيج من الخجل والقلق وهو يتقدم منه في خطوات تشبه الموت البطيء.. كان واضحًا أنه اتخذ قراره بشأن علاقته بابنته.. 
قال آسر في لهجة جافة:
-    أظن أنه ينبغي علينا تصحيح الأوضاع الآن.. إن كانت ابنتك تكرهني لهذا الحد فأنا أيضًا لا أريدها.. ابنتك ناردين طالـ......
لم يستطع أن يكمل عبارته بعد أن سقط الرجل مغشيًا عليه.. صرخت زوجته وهي تنحني فوقه في فزع وكذلك فعلت والدته بينما أسرع هو لاستدعاء الطبيب.. شعر بالعجز عن المضي في تنفيذ قراره عندما نقلوا الرجل إلى غرفة العناية المركزة.. أصابته ذبحة صدرية مفاجئة.. قلبه لم يتحمل هذا الكم من الصدمات دفعة واحدة. 
ما إن استقرت الأوضاع من حوله حتى أسرع يغادر المشفى قبل أن يبحثوا له عن غرفة لإنعاشه بجوار صديق والده العزيز....  
كاد أن يختنق بانفعالاته.. هو أيضًا لم يصدف كل هذه الصدمات دفعة واحدة من قبل.. حتى في أحلك المواقف التي تعرض لها كان قادرًا على التحكم في ردود أفعاله.. كان يمتلك نفسه دائمًا.. فما الذي يصيبه الآن؟!  

طعامه صامتًا.. تعجبت لتلك اللامبالاة التي يبديها وكأن شيئًا لم يكن.. هل نسى أمر ابتلعت المرأة ريقها في عصبية وهي تلقي نظرة إلى ابنها الذي استمر في تناول ناردين حقًا؟!  
والدتها اتصلت هذا الصباح لتخبرها بأن الطبيب سمح لابنتها بالعودة إلى منزلها.. حالتها النفسية سيئة بالفعل ولكن وجودها في المشفى يزيدها سوءًا.. تضجرها زيارة أصدقائها وأقاربها خاصة عندما يسألونها عن عريسها ولماذا لا يرونه برفقتها..؟   تعليقاتهم اللاذعة تكاد تُفقدها صوابها حتى أن الطبيب منع عنها الزيارة نهائيًا.
وضعت قطعة من الطعام في فمها وراحت تمضغها ببطء وهي تتابع أفكارها في ضيق.. كيف تطلب منه الآن أن يذهب ليحضرها إلى هنا؟ 
منذ يومين وهي ترقد في المشفى ولم يسأل عنها..! ربما لم يتكلم مجددًا في موضوع طلاقه منها احترامًا للرجل الراقد بين الحياة والموت في العناية المركزة. 
ولكن....
أطلقت تنهيدة طويلة فرفع آسر رأسه نحوها في نظرة سريعة عاد بعدها ليركز اهتمامه على طبقه.. خمنت بأنه كان يعلم أفكارها.. ولكنه لم يعلق.. تنحنحت وهي تبحث لنفسها عن مفتاح تدخل به إليه.. 
قالت بصوت هادئ:
-    الطبيب سمح لـ ناردين بالخروج.
-    وماذا بعد؟
-    والدها مازال يرقد في العناية المركزة.
-    وما المطلوب مني؟
-    رغم كل ما حدث.. فهي زوجتك على الأقل أمام الـ.....
-    هي ليست زوجتي.. ما إن يستعيد والدها وعيه سأطلقها.
-    قليل من الرحمة يا آسر.
-    لا تحدثيني عن الرحمة.. لم أعد أملك رحمة ولا شفقة ولا صبرًا. 
-    من أجل والدك يا بني.. أنتَ تعلم كيف كانت علاقته قوية بـ عمك مصطفى.. لو طلقت ابنته الآن سوف تتسبب لهم في فضيحة قد تقتله بالفعل هذه المرة.
نهض قائلًا:
-    على أية حال.. لم يعد هناك وقت ولا جدوى لهذا الحديث.. يجب أن أعود غدًا إلى لندن.. هناك صفقة لابد أن تُشحن هذا الأسبوع وإلا تسببت لي في خسارة فادحة.
-    وماذا عن ناردين؟
قال دون أن ينظر إليها:
-    وجودها في عصمتي مسألة وقت ليس إلا.. اخبريها بأنني سأرسل لها ورقة الطلاق في أقرب وقت. 
-    إذا تركتها هنا سوف تزيد الأمور تعقيدًا.
زفر بضيق.. فأردفت في رجاء:
-    خذها معكَ يا ولدي.. اذهب لإحضارها و..........
-    أنا أذهب لإحضارها..!
ربتت على كتفه قائلة:
-    لا عليكَ.. سأذهب أنا لإحضارها.
-    كلا.. أنتِ أيضًا لن تذهبي.
تنهدت في حيرة وهمَّت أن تُذكره مجددًا بوالدها الراقد في المشفى ووالدتها التي ترافقه في حال يرثى لها عندما دق جرس الباب فاتجهت لتفتحه ساخطة وما لبثت أن هللت مُرحبة وهي ترى ناردين بصحبة والدتها على عتبته:
-    دينا.. مرحبًا يا حبيبتي.. حمدًا لله على سلامتك. 
تطلعت إليها الفتاة في عداء لم تحاول إخفاءه قبل أن تلتفت إلى آسر وتلتقي عيونهما في نظرة خاطفة عادت بعدها لتنكس رأسها أرضًا.. ابتلع ريقه وهو يشعر بغصة في حلقه.. ذبولها وشحوبها وجسدها المنهك.. كلها دعوات للشفقة عليها.. 
أما روحها المنكسرة فكانت شيئًا آخر.. شيء جعله يشفق على نفسه أكثر مما يشفق عليها.. من قال بأنها لم تمت بعد.. وكأنها حقًا نجحت في الانتحار..! 
رمته والدتها بتحية سريعة دون أن تصافحه.. صلابته تخيفُها هي أيضًا.. كان واضحًا بأنها تتعاطف مع ناردين منذ البداية.. فهي تريد السعادة لابنتها وحسب.. حتى ولو كانت سعادتها بجوار ذلك العازف المتجول بين الفنادق.. 
قالت في نبرة مستضعفة وهي تنظر لوالدته:
-    دينا متعبة وتحتاج إلى الراحة.. فهي لم تستعد عافيتها كاملة بعد. 
أجابتها والدته وهي تتقدمهما نحو إحدى الغرف:
-    تفضلا.. دعيها تستريح في غرفتها الآن حتى أحضر لها الطعام.
ابتسمت حماته في امتنان وهي تتبعها مشيرة لـ ناردين بالتقدم هي أيضًا.. لكن الأخيرة ما كادت تتحرك صوبهما حتى استوقفها صوته الخشن:
-    سنعود غدًا إلى لندن.. احزمي حقائبك.
تطلعت إليه بحدة أشعلت البريق في عينيه وهو يرمقها مُترقبًا.. لم تمت تلك الشرسة إذًا.. ربما دُفِنت حية.. هل قررت أن تثور وتعترض وتستيقظ في أعماقه من جديد؟ 
استمر يراقبها في تحفز ولكنها لم تثُر ولم تعترض ولم تمنحه الحياة التي تمناها.. بل عادت إلى تابوتها صامتة منكسة الرأس واستدارت لتلحق بوالدته. 
***
لولا والدها الراقد في المشفى يصارع بين الموت والحياة بسبب تصرفها الطائش.. لقامت الآن بتصرف أكثر طيشًا.. لولا إحساسها بالذنب لاستجابت بلا تردد لتلك الحماقة الجديدة التي تدعوها لتركه يلحق بطائرته من دونها.  
تطلعت إلى ظهره العريض ساخطة.. بدت صالة المطار وكأن لا نهاية لها.. تركها تسحب حقيبتها الثقيلة وتزحف خلفه لاهثة علها تلحق بخطواته الواسعة التي زادتها إنهاكًا.. وكأنه لا يعلم أنها بالكاد غادرت المشفى من دون أن تتعافى تمامًا بعد. 
رغم حنقها على والدته.. فأن الأخيرة كانت قد رجته في صدق أن يعتني بها.. أخبرته أيضًا بأنها لم تتناول شيئًا يُذكر منذ أمس. 
أنهى الإجراءات وتنبه لها وهي تقف كالمشردة بجوار حقيبتها.. أشار لها بالتقدم في عجرفة كرهتها ولكنها استجابت لها مرغمة.. تعثرت خطواتها وكادت أن تسقط مرارًا.. استدار يتأملها بصبر نافد.. تعطف عليها وراح يسحبها بطريقة أسوأ من تلك التي تسحب بها حقيبتها.. 
أخيرًا تخلصا من الحقائب.. ولكنها لم تتخلص منه بعد. 
أخطأ والدها عندما افترض أن السنوات التي أمضاها في أوربا قد بدلت طباعه واهتماماته وخلقت منه شخصًا جديدًا.. فليأتِ ليراه الآن.. مازال معقدًا فظًا.. متملكًا كما عرفته دائمًا.. لم تقابل رجلًا أٍسوأ منه ولكنه صار أسوأ من نفسه.. لم تره يبتسم ولو مرة واحدة..!
إن كانت الغربة قد أضافت إليه شيئًا جديدًا.. فهو المزيد من الآلية والاستبداد.. لو لم يكن بَشرًا آدميًا.. لأصبحت الحياة أفضل كثيرًا له.. وللآخرين أيضًا. 
رغبت في قتله وهو يدفعها دفعًا حتى صعدا إلى الطائرة.. وجدت صعوبة في ربط حزام الأمان بيدها المرتعدة غضبًا وإنهاكًا.. ولكنه لم يعرض عليها المساعدة.. جلس بجوارها وكأنه لا يعرفها.. هل أنقذوها من موت واحد لتموت كل يوم برفقة هذا المتوحش..!
رمته بنظرة ساخطة لم يلحظها وهو يدقق النظر في الأوراق التي أخرجها من حقيبته.. لم يكن يعلم قبل ليلة زفافهما بأنها لا تريده.. كان يظنها توافق على الزواج منه.. ولكنه رغم ذلك أحضر أوراقه معه.. كان ينوي ممارسة عمله حتى خلال شهر العسل المزعوم..! 
أي زوج هذا الذي ورطوها فيه..!   
جاءت المضيفة بعد فترة.. نظرت إليها بدهشة قبل أن تسألها إن كانت تفضل طعامًا آخر بدلًا من هذا.. هزت رأسها في اقتضاب فتركتها الفتاة وذهبت. 
هل لاحظ هو بأن طعامها لم يُمس؟  
تذكرت والديها وشعرت برغبة عنيفة في البكاء.. لم يسبق أن عاملها أحد بهذه القسوة من قبل.
عادت المضيفة بعد قليل تحمل الحلوى والمشروبات بعضها ساخن والآخر مثلج.. تعاستها عادت تغلق شهيتها من جديد فامتنعت عن تناول شيئًا منها.. بينما تناول هو طبقه ومشروبه دون أن يلتفت إليها.. وكأن جلوسها بجواره جاء مصادفة.. بالله كيف يُمكنه التظاهر بعدم معرفته بها حتى وإن لم يكن زواجهما حقيقيًا..!
أبعدت وجهها غاضبة لتُلصقه بنافذة الطائرة التي تجاورها.. لا شيء سوى الضباب وهم يسبحون على هذا الارتفاع الشاهق.. ضباب آخر كان يسكنها أكثر عتمة من هذا.. لو فتحوا نوافذ الطائرة لقفزت منها وارتاحت من هذا الكابوس الجاثم بجوارها على الجهة الأخرى.. شعرت بدوار مفاجئ يداهمها هو أيضًا. 
وكأنها في حاجة إلى المزيد من الأعداء..! 
ازدادت النوبة إيلامًا فتراجعت وألصقت رأسها بظهر كرسيها مغمضة العينين.. كانت شبه مغيبة عن الوعي عندما استدار إليها.. شعرت به يمسك بكفها ويضغطها في قلق.. قال شيئًا ولكنها لم تستوعبه.. نهض فجأة وابتعد.. هل استجاب لها القدر أخيرًا وقرر أن يرحمها ؟!
تنبهت فجأة عندما فتح أحدهم جفنيها عنوة.. تطلعت بعيون شاردة إلى الرجل الذي انحنى فوقها وراح يفحصها بعناية.. التقطت بعضًا من كلماته فأدركت أنه الطبيب.. مازال الكرسي بجوارها شاغرًا.. هل غادر الطائرة إمعانًا في عدم معرفته بها؟!  
ليتهم يعيدونها الآن إلى القاهرة.. تلاشت السعادة المؤقته التي راودتها وهي تتخيل وقع الخبر على مسامع والدها المريض.. ابتلعت ريقها عندما رأته ينحني ليستمع إلى الطبيب الذي تحدث بصوت منخفض فلم تدركه مسامعها.. ابتعد من جديد ولكنها كانت تعلم بأنه سيعود هذه المرة.
لم يمض وقت يُذكر على ذهابه حتى وجدت الممرضة تجلس بجوارها مبتسمة.. ولكن أين هو؟ حركت رأسها لا إراديًا تبحث عنه.. كان يقف خلف الطبيب كما كان سابقًا.. يراقبها خلسة وكأنه لا يريدها أن تراه ينظر إليها.. ربما أدرك أخيرًا أن وجهه العبوس هو سبب معاناتها وتعاستها.
كانت الفتاة قد وضعت فوق الطاولة المواجهة لها صينية فوقها قطعة كبيرة من الحلوى وكوب من العصير.. قبل أن تعترض وجدت نفسها تبتلع العصير الذي وضعته في فمها وكأنها تطعم طفلة صغيرة.. الفتاة لم تكن تكبرها سنًا ولكنها ذكرتها بأمها ورعايتها لها فعاودتها الرغبة في البكاء.. تمكنت أخيرًا من رفض المزيد فأطبقت شفتيها بإحكام وهزت رأسها عنادًا.
ابتسم الطبيب قائلًا:
-    عليك تناولها كاملة حتى تستعيدى عافيتك.. أنتِ تعانين من هبوط حاد في الدورة الدموية.
انصرف بعد أن وضع طبق الحلوى بين يديها مُحذرًا بأنه سيضطر إلى حقنها إن لم تستمع لنصيحته.. اتسعت عيناها استنكارًا.. عبثت بمحتويات طبقها لتوهمه بأنها استجابت.. فهي تكره الحقن منذ طفولتها. 
زفر آسر بضيق وهو يعاود الجلوس بجانبها.. لم يوجه لها ولو نظرة عابرة بل احتفظ بنظراته كلها لأوراقه.. عشقه الأول والأخير.. وكأنه نادم لأنه أسعفها.. أضاعت وقته الثمين..!
أطلقت زفرة مماثلة وهي تعيد الطبق إلى مكانه.. بالكاد كانت قد تناولت قضمة من قطعة "الجاتوه" ورشفة أو اثنتين من العصير.. لم يلتفت إليها ولكنها فوجئت به يقول بصبر نافد:
-    تناوليها كاملة كما نصحك الطبيب.
هزت رأسها في عناد متجاهلة كلماته.. فاستدار إليها في قسوة:
-    أنتِ لستِ طفلة الآن.. أم أنكِ أدمنتِ تدليل موظفي الطائرة؟
ارتجفت شفتاها في غضب وهي تغمغم:
-    أنا أكرهك.َ
كلماتها مُرة.. ولكن يكفي أن صوتها كما هو لم يتغير.. نفذ إلى أعماقه لينفض عنها بعضًا من الأتربة التي تغطيها.. ربما يومًا ما سوف تستيقظ كاملة.. وهو سينتظر.. تأملها في حنين تلاشى سريعًا.. تناول الطبق وألقى به في حضنها قائلًا في تهكم مغموس بالمرارة التي يعانيها:
-    أعلم كم تكرهينني.. هيا.. تناولي وجبتك كاملة.
انزلقت قطع الحلوى في جوفها غصبًا تحت وطأة نظراته العنيفة التي تركزت فوقها حتى انتهت منها.. فعاد إلى أوراقه من جديد..!
لا تدري كم من الوقت مضى قبل أن يلتفت إليها.. بعض الدماء تسربت إلى وجنتيها.. نظراتها أكثر ثباتًا رغم عداوتها.  
قال في هدوء ثلجي:
-    هل أنتِ أفضل الآن؟
ابتسم مُرغمًا عندما اشاحت بوجهها نحو النافذة ولم تجبه.. يبدو أنه انتهى من عمله أخيرًا وبدأ الملل يتسرب إلى نفسه.. لكنها لن تسمح له باللهو بها.

انتظروا تكملة الرواية أحبائي,

رابط الحلقة الأولى
رواية بين العطر والنغم (١)

 

رابط الحلقة الثانية 
رواية بين العطر والنغم (٢)






يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل