رواية بين العطر والنغم (٤) 

بقلم - أماني عطاالله

الحلقة الرابعة من أحداث رواية بين العطر والنغم للكاتبة أماني عطاالله، التي لاقت  ترحيبا واقبالا بين زوار معرض الكتاب الدولي للكتاب 2020، إليكم الأحداث...


غادرا مطار هيثرو.. وجهه الصارم المتزمت هو رفيقها الوحيد في هذه الغربة.. التفتت تتفحصه ساخطة.. خطواته لم تسبق خطواتها هذه المرة.. طلب أيضًا من الحمَّال أن يحمل حقائبها.. جاهدت لتكون خطواتها أكثر اتساعًا ولكنه رغم هذا بقى عابسًا. 

لم يعد لديها المزيد من الطاقة لإرضائه.. فليذهب للجحيم.
سيارة سوداء فارهة كانت في انتظاره.. ما إن لمحه سائقها حتى ترجل منها وتوجه لتحيته بابتسامة واسعه وحفاوة مبالغ فيها.. فتح لهما الأبواب ووضع الحقائب في الشنطة الخلفية وانطلق مُسرعًا في مهارة رغم الطريق المزدحم.. كان يبدو مُبرمجًا هو أيضًا.. وكيف لا.. وهو يعمل تحت رعاية هذا الطاغية الذي لا يعرف الرحمة..؟!

توقفا بعد قليل أمام كوخ صغير من طابقين تحيطه حديقة غناء.. لو لم يكن مزاجها سيئًا لتمتعت أكثر بألوانها النضرة وزهورها المتفتحة.. قال موجهًا حديثه للسائق الذي أحضر الحقائب ليضعها في منتصف الردهة:
-    سأنتظرك في الثامنة صباحًا لنذهب إلى الشركة.
-    بهذه السرعة يا سيدي.. وماذا عن عروسك الجميلة؟ 
ابتسم وهو يوجه حديثه للسائق دون أن يرفع عينيه عن وجهها:
-    عروسي الجميلة سوف تنتظرني أما الصفقة الألمانية فلم تنتظر.

هل يجب أن تخبره بأن ابتسامته المصطنعة أكثر قُبحًا من عبوسه..؟!
حمل الحقائب إلى الطابق العلوي وأشار لها كي تتبعه.. ابتلعت ريقها وهي تتخيل ما يمكن أن ينتظرها هناك.. نجوم السماء أقرب إليه منها.. مُحال أن تستسلم لمتوحش مثله مهما أظهر من قسوة وعنف.. لن تدعه يلمسها أبدًا ولو اضطرت لقتل نفسها وقتله هو أيضًا. 

تنفست الصعداء عندما توقف أمام إحدى الغرف قائلًا: 
-    هذه غرفتي..
أشار إلى غرفتين مغلقتين وأردف:
-     اختاري لكِ واحدة من هاتين وضعي بها أغراضك.
فتحت فمها وهمّت أن تشكره ولكنه أسرع ليدخل غرفته ويغلق الباب غير مبالٍ بوجودها.. أغمضت عينيها في ألم وغمغمت بشتيمة لم تصل مسامعه. 

كادت أن تدلف إلى الغرفة التي تواجه غرفته ولكنها عدلت عن ذلك واختارت الأخرى في نهاية الممر.. كانت غرفة متوسطة الحجم تحتوي سريرين صغيرين وخزانة ملابس من جزأين.. ألوانها الزاهية والإطارات الكرتونية المعلقة على الحائط.. بعض الألعاب والعرائس القطنية والصوفية اللينة التي تناثرت بانتظام هنا وهناك.. دلتها على أنها صممت خصيصًا من أجل الأطفال.. هذا الآلي كان يتوقع منها أن تنجب له المزيد من الآلات المتحركة. 

ابتسمت مرغمة عندما توارد إلى ذهنها أفلام غزو الفضائيين لكوكب الأرض التي كانت تشاهدها حتى وقت ليس بالبعيد...  
  هناك باب آخر ملحق بالغرفة.. فتحته في لهفة.. كانت محقة.. حمام خاص صغير المساحة.. ولكن يكفيها ذلك المغطس في زاويته لتشعر بالسعادة.. لكم هي في حاجة ماسة إليه الآن..! 
  
فتحت حقيبتها ونثرت أشياءها فوق أحد الأسرة بلا ترتيب.. اختارت قميصًا فضفاضًا وتحمست لفك أزرار ملابسها عندما تنبهت إلى الباب فأسرعت تغلقه بإحكام. 
أمضت في الماء وقتًا طويلًا قبل أن تشعر بالانتعاش يغمرها.. جففت جسدها وارتدت ملابسها.. همت بترتيب أشياءها المبعثرة في الخزانة ولكنها بدلًا من ذلك استرخت في السرير الثاني منهكة القوى.. لم يمض وقت يذكر حتى استسلمت لسبات عميق.

استيقظت على طرقات عنيفة فوق بابها.. استغرقت بعض الوقت لتعِرف أين كانت.. فتحت الباب أخيرًا لتطالع وجهه العاصف وعينيه الغاضبتين.. صاح في ثورة:

-    كل هذا الوقت حتى تفتحي الباب..!
ابتلعت ريقها قائلة:
-    كنتُ نائمة.. هل النوم ممنوع هنا؟
-    
ظل يتطلع إليها حتى أشاحت بوجهها عنه.. تمردها نفض عنها المزيد من الأتربة.. عندما عادت لتنظر إليه وجدته في منتصف الغرفة.. شعرت بالخجل عندما تعلقت عيناه بثيابها المبعثرة بهمجية فوق السرير.  

قالت في تلعثم:
-    كنت سأرتبها لو لم يغلبني النعاس.
لم يعلق فأردفت بسرعة:
-    سوف أرتبها الآن.
انحنت لتمسك بأحد أثوابها لتثبت له جديتها ولكنه اعترض:
-    كلا.. فلتؤجلي ذلك بعد العشاء.
-    لا رغبة لي في تناول الطعام.
ضاقت عيناه غضبًا وقلقًا.. تمردها هذه المرة لم يسعده.. فهي لم تتناول شيئًا يُذكر منذ ثلاثة أيام على الأقل..! ما الذي تحاول أن تفعله بنفسها وبه أيضًا؟!

هل يُخبرها بأنه كاد يجن عندما تأخرت في فتح الباب.. كان يظنها قد فقدت الوعي مجددًا كما حدث في الطائرة.. لو تأخرت دقيقة أخرى لكان كسره بلا تردد.

أدارها في حدة لتواجهه:
-    اسمعيني جيدًا.. ليس لدي وقت لأضيعه وأنا أتنقل بك بين الأطباء. 
-    أنا......
-    إن كنتِ تريدين الموت.. يمكنكِ العودة إلى القاهرة.. ستجدين هناك من يتفرغ لرعايتك.  
غمغمت بصوت مختنق:
-    أنتَ بلا قلب.
أجابها في لامبالاة زادتها غضبًا:
-    من الجيد أنكِ عرفتِ ذلك حتى لا تطمعي في كرمي مرة أخرى.
***

عندما هبطت الدرج كان الطعام مُعدًا فوق السفرة الصغيرة.. سحبت كرسيًا وجلست في انتظار أن ينتهي من أوراقه التي يحملها أينما ذهب.. وضع أوراقه في الحقيبة أخيرًا وجلس في مواجهتها.. كان يتناول طعامه صامتًا عندما سألته فجأة: 
-    هل أنتَ من أعددت كل هذه الأصناف؟
-    كلا.. أنا فقط وضعتها في الفرن لتسخن. 
كان واضحًا أن كلامه لم يشبع فضولها.. فتابع بآلية:  
-    روث طاهية ماهرة.. تأتي مرة كل أسبوع لتملأ الثلاجة بالمأكولات التي أرغب بها.. عندما لا أكون مرتبطًا بعشاء عمل أُفضل أن أتناول طعامي هنا.. لا أحبذ كثيرًا المأكولات الجاهزة عالية السعرات. 

حانت منها نظرة سريعة إلى جسده المتناسق قوي البنية.. لا يبدو أعزب متدهور الصحة والهيئة.. كان واضحًا بالفعل أن هناك من يعتني به.. هزت رأسها متفهمة وهي تضع الشوكة في فمها بطريقة جعلته يقطب حاجبيه مستنكرًا تأثيرها الطاغي على مشاعره حتى بعد كل ما فعلته به..!

ما كادت تنتهي من تناول طبقها حتى نهض هو أيضًا وكأنه كان ينتظرها.. قال بصبر نافد:
-    اجمعي الصحون وأعدي لنا الشاي.. سأكون في مكتبي.

أشار إلى إحدى الغرفتين في الطابق الأرضي قائلًا:
-    هنا.

راحت تنفذ ما طلبه منها في تذمر.. المشكلة ليست في عدم قدرتها على القيام بالعمل الذي كلفها به.. بل في الطريقة المستفزة التي يوجهها بها وكأنها خادمته الخاصة.. بل ربما جاريته أيضًا.. أتراه يعامل طاهيته بتلك الطريقة البشعة التي عاملها بها..؟  
مُستحيل.. لو فعل لهربت من خدمته منذ زمن.  

رغم شعورها بالسخط والغضب فقد عمدت على إتمام عملها على أكمل وجه.. أرفقت مع فنجان الشاي كوب من الماء.. آنية السكر الفضية.. ملعقة لامعة.. وضعتهم فوق صينية غطتها بالمفرش البلاستيكي المزخرف الذي وجدته في أحد أدراج المطبخ الخشبي.

سمح لها بالدخول عندما طرقت باب مكتبه.. قال دون أن يكلف نفسه عناء النظر إليها:
-    ضعيها واذهبي لترتيب غرفتك.
قذفته بنظرة غاضبة لم تصبه.. ضغطت على أسنانها غيظًا وهي تتجه لمغادرة الغرفة ولكنه عاد يأمرها:
-    لا تنسي تنظيف الأواني ووضعها في أماكنها.. أنا لا أحب الفوضى.

صاحت به غاضبة:
-    أهذه طريقتك دائمًا في طلب الخدمة من الآخرين؟
تطلع إليها ساخرًا قبل أن يقول بنبرة أكثر سخرية من نظراته إليها:
-    خدمة..! 
-    بماذا تسميها إذًا؟
-    إنه واجبك يا... زوجتي العزيزة.
انفرجت شفتاها لتعترض ولكن نظراته التي رمقتها فى تحدٍ لجمت لسانها فجأة فاستدارت وغادرت الغرفة بعصبية.

انتهت من ترتيب أغراضها في الخزانة ولكن ثورتها لم تنتهِ.. جلست فوق الفراش تلتقط أنفاسها الملتهبة.. كيف تجرأ وعاملها بهذه الطريقة المهينة.. لم تتذكر أبدًا أنها رأت والديها يعاملان الخادمة بذلك الكمّ من التعالي والعجرفة..! 

أمسكت الوسائد واللعب القطنية القريبة منها وألقت بهم أرضًا في عنف علها تهدأ.. كانت في طريقها لتلقي بقطعة أخيرة عندما فتح الباب فجأة ودلف منه.. قاومت بصعوبة رغبتها المُلحة في رميها فوق وجهه الجامد. 

نظر إلى السرير المرتب في رضا زادها غضبًا.. فهتفت دون أن تخفي مشاعرها:
-    هل تأكدتَ من أنني رتبت المطبخ أيضًا ووضعت الأواني النظيفة في أماكنها..؟
-    نعم.

بحثت في مخيلتها عن كلمات تعادل لهجته الباردة فلم تجد.. فأبعدت وجهها عنه غيظًا بينما أردف وهو يغادر الغرفة:
-    اجمعي هذه الأشياء من فوق الأرضية.. أخبرتكِ بأنني أكره الفوضى.

عضت على شفتيها حتى كادت تدميهما قبل أن تلقي بالقطعة الأخيرة بكل قوتها لتصطدم بالباب الذي أغلقه خلفه.. ضحك عندما بلغ مسامعه صوت الارتطام.. ها هي قد نفضت عنها الأتربة بكاملها واستيقظت بكل شراستها في أعماقه.. تُرى كم سيتحمل وجودها بقربه

على هذا النحو؟

انتظروا تكملة الرواية أحبائي,

رابط الحلقة الأولى

رواية بين العطر والنغم (١)

رابط الحلقة الثانية 
رواية بين العطر والنغم (٢)

رابط الحلقة الثالثة 
رواية بين العطر والنغم (٣)






يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل